تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونزول الروح القدس على المسيح -عليه السلام- على هيئة حمامة، أو نزول غيره من الملائكة على أي هيئة كانت، معلومة عند الأنبياء وأتباعهم، فقد ذكر الله تعالى نزول الملائكة على إبراهيم عليه السلام على هيئة رجال، قال تعالى: ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم، قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم، قال فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين)) (50) .

وكذلك كان نزول الروح القدس جبريل عليه السلام، على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كان ينزل بعض المرات على هيئته التي خلقه الله عليها (51) ، وينزل في مرات أخرى على هيئة الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي (52) .

وبهذا يتبين لنا من هذه النصوص حقيقة الروح القدس، وأنه كان مع داود عليه السلام وأنه بشر زكريا، ومريم، وأن يحيى والمسيح عليهما السلام وكذلك تلاميذ المسيح ورسله كان يعضدهم الروح القدس، ويحل عليهم، ومنه يمتلئون، ويؤيدهم بالنصر، كما بينت تلك النصوص أن المسيح عليه السلام حذر اليهود من ألفاظ السوء التي يقولونها على الروح القدس، وأن من يفعل ذلك فلن يغفر له لا في الدنيا ولا في الآخرة.

كما بينت تلك النصوص، أن الروح القدس ورد ذكره بمعنى جبريل عليه السلام وبمعنى الوحي الإلهي، وبمعنى النصر والتأييد للمؤمنين، ويبدو أن هذا هو الاعتقاد الذي كان عليه النصارى في حياة المسيح وحواريوه والقرون الثلاثة الأولى لميلاده، بدليل أن الشواهد من مصادرهم الدينية الآنفة الذكر لاتعني سوى ذلك، لأن اعتقادهم ألهيته لم يتقرر إلا بعد رفع المسيح عليه السلام بأربعة قرون، أي في مجمع القسطنطينية سنة 381م، كما سيأتي بيانه.

المطلب الثالث: حقيقة الروح القدس عند المسلمين:

هذه الصفات للروح القدس حسب المصادر الدينية السابقة هي التي صدقها القرآن الكريم المنزل على خاتم المرسلين، والمصدق لما بين يديه من الكتب السابقة، والمهيمن عليها، فقد جاء الروح في القرآن الكريم، على عدة أوجه (53) :

أحدها: الوحي الإلهي، قال تعالى: ((ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون)) (54) ، وقال تعالى: ((وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا)) (55) ، وقال تعالى: ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق)) (56) .

الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من يشاء من عباده المؤمنين، قال تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)) (57) .

الثالث: ويأتي الروح بمعنى جبريل عليه السلام قال تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)) (58) ، وقال تعالى: ((قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله)) (59) ، وهو روح القدس، قال تعالى: ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق)) (60) ، وقال تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)) (61) ، وقال تعالى: ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً)) (62) .

الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود، فأجيبوا بأنها من أمر الله، قال تعالى: ((يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي)) (63) ، وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى: ((يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً)) (64) ، وقال تعالى: ((تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)) (65) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٢١