وساق ابن جرير بسنده نحواً من هذا الحديث، ثم ذكر روايات أخرى جاء فيها زعم اليهود أن جبريل عدوهم، وأنه يأتيهم بالشدة وسفك الدماء، والحرب والقتال (23) .
فتبين أن هؤلاء اليهود يعرفون حقيقة الروح القدس وأنه جبريل عليه السلام وهو المذكور في كتبهم المنزلة على أنبيائهم.
المطلب الثاني: حقيقة الروح القدس عند النصارى:
أما النصارى وهم أيضاً يعتقدون بقدسية كتب اليهود، وهي جزء من كتابهم المقدس ويسمونه بالعهد القديم، ويؤمنون به كإيمانهم بالعهد الجديد (الأناجيل والرسائل) وهو حجة عليهم فيما ورد فيه عن حقيقة الروح القدس، فقد جاء في الأناجيل والرسائل ما يصدق ما جاء في التوراة عن حقيقة الروح القدس، فقد ذكرت تلك الكتب أن الروح القدس عليه السلام كان مع داود عليه السلام: ((لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي)) (24) ، وأن المسيح عليه السلام قال لهم عنه: ((فكيف يدعوه داود بالروح)) (25) ، وأنه نزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، إذ جاء في سفر أعمال الرسل: ((فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة إنه حسناً كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبي، قائلاً اذهب إلى هذا الشعب)) (26) ، وجاء في رسالة بطرس الثانية: ((لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس)) (27) ، وذكر سفر أعمال الرسل عداوة اليهود للروح القدس جبريل عليه السلام إذ جاء فيه: ((يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان أنتم دائماً تقاومون روح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم)) (28) ، ومن صفاته أنه روح الله الحي إذ جاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس: ((جبرائيل روح الله الحي)) (29) ، وفي الإنجيل أنه بشر زكريا بميلاد يوحنا عليهما السلام: ((فظهرله ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف، فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت)) (30) ، وأخبره في هذه البشارة أن امرأته ستلد له ابناً وتسميه يوحنا، ويكون له فرحاً وابتهاجاً: ((لأنه يكون عظيماً أمام الرب، وخمراً ومسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس)) (31) ، كما أن مريم أم المسيح وجدت حبلى من الروح القدس:
((ولما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس)) (32)
كما نزل الروح القدس على المسيح عليه السلام، واستمر معه بعد أن عمده يوحنا المعمدان في ماء الأردن: ((ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضاً، وإذ كان يصلى انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة)) (33) ، وقال يوحنا المعمدان: ((إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (34) ، وجاء في الإنجيل: ((وفي تلك الأيام جاء يسوع ... واعتمد من يوحنا في الأردن، وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه)) (35)
كما أن الروح القدس مؤيدٌ للمسيح في دعوته ومعجزاته: ((أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية)) (36) ، وجاء أيضاً: ((ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل..... وكان يعلم في مجامعهم)) (37) ، وفي الإنجيل يقول المسيح عليه السلام: ((روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب)) (38) ، ويتحدث سفر أعمال الرسل عن المعجزات التي أيد الله بها المسيح بواسطة الروح القدس، إذ يقول: ((يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه)) (39) ، ففي هذين النصين نجد أن الروح القدس مرادفاً للفظ القوة، أي أنه القوة التي أيد الله بها المسيح عليه السلام واستطاع بهذه القوة شفاء الأمراض، وإجراء المعجزات، بإذن الله تعالى، وهي القوة التي أيد الله بها أنبياءه ورسله، ومن شاء من عباده المؤمنين.