الثالث: قَال الحافظ ابن حجر ( [220] ) : ويحتمل أن يكون معنى ((قبل أن تجيء)) أي إلى الموضع الَّذِي أنت به الآن وفائدة الاستفهام: احتمال أن يكون صلاها في مؤخرة المسجد ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة كما تقدم في قصة الَّذِي تخطى، ويؤيده أنه في رواية مسلم ((أصليت الركعتين)) بالألف واللام وهو للعهد ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد.
أما الجواب عن الدليل الخامس والسادس والسابع أي حديث ابن عباس وعلي وأبي هريرة y فإنها أحاديث ضعيفة وقد تقدم الكلام عليها. ( [221] )
قَال الحافظ ابن حجر ( [222] ) : وأما سنة الجمعة التي قبلها فلم تثبت فيها شيء.
أما الجواب عن الدليل الثامن:
قَال أبو شامة ( [223] ) : ((المراد من صلاة عبد الله بن مسعود قبل الجمعة أربعا أنه كان يفعل ذلك تطوعا إلى خروج الإمام كما تقدم ذكره، فمن أين لكم أنه كان يعتقد أنها سنة الجمعة، وقد جاء عن غير واحد من الصحابة y أكثر من ذلك.
وقَال أبو بكر بن المنذر: روينا عن ابن عمر أنه كان يصلي قبل الجمعة اثنتى عشرة ركعة وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يصلي ثماني ركعات ( [224] ) .
وهذا دليل على أن ذلك منهم من باب التطوع من قبل أنفسهم من غير توقيت من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك اختلف العدد المروي عنهم.
وباب التطوع مفتوح، ولعل ذلك يقع منهم أو معظمه قبل الأذان ودخول وقت الجمعة لأنهم كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام وقد فعلوا مثل ذلك في صلاة العيد وقد علم قطعا أن صلاة العيد لاسنة لها، وكانوا يصلون بعد ارتفاع الشمس في المصلى وفي البيوت ثم يصلون العيد، روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين وبوب له البيهقي بابا في سننه.
ثم الدليل على صحة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من بيته يوم الجمعة فيصعد منبره ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته ولو كان للجمعة سنة قبلها لأمرهم بعد الأذان بصلاة السنة وفعلها هو - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير هذا الأذان الَّذِي بين يدي الخطبة وعلى ذلك مذهب المالكية إلى الآن)) اهـ.
أما الجواب عن الدليل التاسع:
إنه ليس فيه دلالة على اثبات السنة القبلية.
قَال ابن القيم ( [225] ) : ((هذا لاحجة فيه ولم يرد به البخاري إثبات السنة قبل الجمعة وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث أي أنه لم يرو عنه فعل السنة إلا بعدها ولم يرد قبلها شيء.
وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين فإنه قَال: باب الصلاة قبل العيد وبعدها.
وقَال أبو المعلّى سمعت سعيدا عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد ثم ذكر حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر فصلى ركعتين ولم يصل قبلها ولا بعدها ومعه بلال. الحديث فترجم للعيد مثل ما ترجم للجمعة وذكر للعيد حديثا دالا على أنه لاتشرع الصلاة قبلها ولا بعدها فدل على أن مراده من الجمعة كذلك وقد ظن بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلا من الظهر - وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دل الحديث على أن الجمعة كذلك، وإنما قَال: ((وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف)) بيانا لموضع صلاة السنة بعد الجمعة وأنه بعد الانصراف، وهذا الظن غلط منه لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد المكتوبة حديث ابن عمر t: صليت مع رسول الله r سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلة بنفسها غير الظهر وإلا لم يحتج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر فلما لم يذكر لها سنة إلا بعدها علم أنه لاسنة لها قبلها)) .اهـ