وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله ((بين كل أذانين صلاة)) وعارضه غيره، فقال الأذان الَّذِي على المنابر لم يكن على عهد النبي r ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر ويتوجه أنه يقال إن هذا الأذان لما سنه عثمان واتفق المسلمون عليه، صار أذانا شرعيا وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل المغرب.
وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال وكلام الإمام أحمد يدل عليه..)) اهـ.
وقال العراقي ( [214] ) : ((ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذرا في حياته - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة فلا صلاة حينئذ ثم بعد أن حدد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلى سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة والله أعلم)) .
وأما الجواب عن الدليل الثالث: أن يقال إن هذا نظير حديث عبد الله بن المغفل - الدليل الثاني - فهو لا يدل على إثبات راتبة قبل الجمعة مثل العصر والعشاء ثم لو سلم بهذا لكانت الجمعة مخصوصة بدليل فعل النبي r أنه لم يصل قبلها.
قَال العراقي ( [215] ) : ((لكن يضعف الاستدلال به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص فقد يقدم عليه ما هو الظاهر من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك)) .
أما الجواب عن الدليل الرابع فمن وجوه هي:
الأول: أن هذه اللفظة ((قبل أن تجيء)) غلط كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية. ( [216] )
وقَال المزي ( [217] ) : هذا تصحيف من الرواة إنما هو ((أصليت قبل أن تجلس))
فغلط فيه الناسخ وقَال: ((وكتاب ابن ماجة إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيح البخاري ومسلم فإن الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما)) .
وقَال ابن القيم ( [218] ) : ((ومما يؤيد هذا - أي الغلط - أن الَّذِين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها لم يذكر واحدا منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها وإنما ذكروه في استحباب تحية المسجد والإمام على المنبر واحتجوا به على من منع فعلها في هذه الحال فلو كانت هي من سنة الجمعة لكان ذكرها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد)) .
الثاني: إن هاتين الركعتين هما تحية المسجد.
قَال أبو شامة ( [219] ) : ((قَال بعض من صنف في عصرنا قوله: ((قبل أن تجيء)) يدل على أن هاتين الركعتين سنة الجمعة قبلها وليست تحية المسجد كأنه توهم أن معنى قوله قبل أن تدخل المسجد أي أنه صلاها في بيته وليس الأمر كذلك، فقد أخرج هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما وليس في واحد منها هذا اللفظ وهو قوله ((قبل أن تجيء)) فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((قم)) دليل على أنه لم يشعر به إلا هو قد تهيأ للجلوس فجلس قبل أن يصلي فكلمه حينئذ وأمره بالقيام وجوز أنه يكون صلى الركعتين عند أول دخوله إلى المسجد قريبا من الباب ثم اقترب من رسول الله r ليسمع الخطبة فسأله أصليت؟ قَال: لا. فقوله فيما أخرجه ابن ماجه ((قبل أن تجيء)) يحتمل أن يكون معناه قبل أن تقرب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن تدخل المسجد فإن صلاته قبل دخول المسجد غير مشروعة فكيف يسأله عنها، وذلك أن المأمور به بعد دخول وقت الجمعة إنما هو السعي إلى مكان الصلاة فلا يشتغل بغير ذلك وقبل دخول الوقت لايصح فعل السنة على تقدير أن تكون مشروعة.
ومن الدليل على صحة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل أحدا غير هذا الرجل الداخل عن كونه صلى سنة الجمعة أو لم يصل. دل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتن بالبحث عن ذلك، وإنما لما رآه قد جلس ولم يفعل ما هو مشروع له من تحية المسجد بركعتين أمره بهما ثم قَال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما)) أي أن خطبة الإمام والاستماع لها غير مانع من تحية المسجد ... )) اهـ.