وقَال أبو شامة ( [226] ) : ((مراده في هذه الترجمة - يعني البخاري - أنه هل ورد شيء في الصلاة قبلها وبعدها؟ ثم ذكر هذا الحديث أي أنه لم يرد إلا بعدها ولم يرد قبلها شيء....)) ثم ذكر نحو كلام ابن القيم المتقدم.
أما الجواب عن الدليل العاشر:
قَال العراقي ( [227] ) : ((ولقائل أن يقول هذه سنة الزوال ففي حديث علي أنه يصلي بعدها أربعا قبل الظهر. ( [228] )
لكنه قَال: وقد يجاب عنه بأنه حصل بالجملة إستحباب أربع بعد الزوال كل يوم سواء فيه يوم الجمعة وغيره وهو المقصود)) . اهـ
لكن قد يقال إن هذا مخصوص منه يوم الجمعة لفعل النبي r كما تقدم.
أما الجواب عن الدليل الحادي عشر:
أن هذه الأحاديث ليس فيها دلالة على سنة الجمعة بل هي تنفل مطلق وهكذا كان هدي الصحابة - رضي الله عنهم -.
قَال ابن القيم ( [229] ) عقب حديث أبي هريرة ونبيشة: ((هكذا كان هدي الصحابة y)) .
قَال ابن المنذر ( [230] ) : روينا عن ابن عمر ( [231] ) أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة وعن ابن عباس أنه كان يصلي ثمان ركعات وهذا دليل على أن ذلك منهم من باب التطوع المطلق ولذلك اختلف في العدد المروي عنهم في ذلك.
وقال الترمذي في الجامع وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا وإليه ذهب ابن المبارك والثوري.
وقَال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا يفصل بينهما بالسلام فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعتين آخرين، فتلك ست ركعات على حديث علي وربما صلى بعد الست ستا أخر أو أقل أو أكثر. وقد أخذ من هذا بعض أصحابه رواية أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعا وليس هذا بصريح بل ولا ظاهر فإن أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقت النهي قام فأتم تطوعه إلى خروج الإمام فربما أدرك أربعا وربما لم يدرك إلا ركعتين)) . اهـ
وقَال الحافظ ابن حجر ( [232] ) عقب حديث ابن عمر المتقدم أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة: ((وأما قوله ((كان يطيل الصلاة قبل الجمعة)) فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا لأنه r كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لاصلاة راتبة فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها بل هو تنفل مطلق وقد ورد الترغيب فيه كما تقدم في حديث سلمان وغيره حيث قَال فيه ((ثم صلى ما كتب له)) اهـ
أما الجواب عن الدليل الثاني عشر:
قَال ابن القيم ( [233] ) : ((وهذه حجة ضعيفة جدا فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في الجهر والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت، وليس إلحاق مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا فيه)) .
وقال أبو شامة ( [234] ) في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قَال صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة. ((هذا دليل على أن الجمعة عندهم غير الظهر وإلا ما كان يحتاج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر ثم لم يذكر لها سنة إلا بعدها دل على أنه لاسنة قبلها)) .
وقَال شيخ الإسلام ابن تيمية ( [235] ) : إن هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين وإن سميت ظهرا مقصورة فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى، والظهر تقضى والجمعة يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام وغير ذلك والظهر لايشترط لها ذلك فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر فإنه إذا كانت الجمعة تشارك الظهر في حكم وتفارقها في حكم لم يكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل فليس جعل السنة في موارد الاشتراك بأولى من جعلها في موارد الافتراق.