وهذا الكلام من ابن رجب محل نظر من وجوه:
الأول: قوله فإن ابن عمر قد روى عنه ما يدل على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الجمعة....)) فإن حديث ابن عمر المرفوع منه صلاة الركعتين بعد الجمعة، أما قبل الجمعة فمن فعل ابن عمر كما سيأتي بيان ذلك في الجواب عن الدليل الأول من أدلة أصحاب القول الثاني.
ثانيا قوله: ولعله إنما ذكر ركعتين بعد الجمعة، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها في بيته....))
فيقال إن المقام مقام حصر وبيان ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليه قبل الصلوات وبعدها ولهذا في لفظ للبخاري ( [164] ) : ((حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات)) وفي لفظ له ( [165] ) قَال: وحدثتني أختي حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها)) .
فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل الجمعة لنقله ابن عمر رضي الله عنهما كما نقل الركعتين بعدها والله أعلم.
ثالثا: قوله: وفي صحيح ابن حبان عن عائشة.... هذا الحديث في سنده شريك بن عبد الله القاضي ضعف من قبل سوء حفظه ثم إنه لو صح فهو في الخروج من المنزل للجمعة وغيرها، والمقام هنا في بيان سنة الجمعة القبلية، ولهذا لفظه عند ابن حبان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قَال: قلت لها بأي شيء كان يبدأ رسول الله r إذا دخل عليك وإذا خرج من عندك؟ قالت: كان يبدأ إذا دخل بالسواك وإذا خرج صلى ركعتين)) .
رابعا: ما نقله عن ابن عباس وغيره من الصلاة يوم الجمعة في بيوتهم فهذا فهذا محمول على مطلق التنفل يوم الجمعة لا سنة الجمعة ولهذا ورد عنه أنه يصلي قبل الجمعة ثمان ركعات وابن عمر ثنتي عشرة ركعة وعلي ست وابن مسعود أربعا من غير تقييد بحد كما تقدم. ( [166] )
خامسا: قوله ((وقد سبق في باب الصلاة إذا دخل المسجد والإمام يخطب ما يدل على ذلك ... ))
فإن هذا في تحية المسجد لا في سنة الجمعة وقد أمر الداخل للمسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين سواء كان يوم الجمعة أو غيره وسواء كان وقت صلاة أو لا. ( [167] )
أما الدليل الرابع:
قَال الشوكاني ( [168] ) : ((وهو مع كون عمومه مخصصا بيوم الجمعة ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محل النزاع)) . ا. هـ
وقَال الحافظ ابن حجر ( [169] ) : ((وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك - أي النهي وقت الزوال - يوم الجمعة وحجتهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة.
وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعا أنه - صلى الله عليه وسلم - كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة)) وفي إسناده إنقطاع وقد ذكر البيهقي ( [170] ) شواهد ضعيفة إذا ضمت قوى الخبر والله أعلم)) . اهـ
القول الثاني: أن الجمعة لها سنة قبلها فمنهم من جعلها ركعتين كما قَاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد في رواية وطائفة من أصحابه.
ومنهم من جعلها أربعا وهو رواية عن أحمد وطائفة من أصحابه وأصحاب أبي حنيفة ( [171] ) ، وحكى ابن رجب القول بالسنية عن أكثر العلماء ( [172] ) واختاره.
واحتجوا بما يأتي:
أولا: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك)) .
أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي بسند صحيح. ( [173] )
وجه الدلالة أن قوله: ((يفعل ذلك)) عائد إلى الصلاة قبل الجمعة وبعدها فهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل الجمعة. ( [174] )