تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني الإجماع على انشقاق القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله، معجزة من الله تعالى، وتصديقا لرسوله (56) .

وحتى لو شكّك بعض المعاصرين في وقوع هذه المعجزة وفسّر الآية على أنّ انشقاق القمر إنما يكون علامة على اقتراب الساعة قبل يوم القيامة (57) فإن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم عديدة، وفي مقدمتها القرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية، ونقرر هنا إيماننا بمعجزة انشقاق القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام ولم تظهر مثل تلك التأويلات المحدثة إلاّ عند نفر من بعض المعاصرين الذين تأثروا بالأفكار الوافدة، وكأنّ من روى هذه الروايات عندهؤلاء لا يستطيع التفريق بين خسوف القمر المعتاد، ومعجزة انشقاقه.

ومع ذلك فتذكر لنا الكتب الشرعية تلك المناظرة الجميلة في إثبات هذه المعجزة الإلهية، والتي وقعت بين الإمام الباقلاني (58) وبين إمبراطور الروم في ذلك العهد.

قال الإمبراطور: هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟

أجاب الباقلاني: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.

فقال الإمبراطور: وكيف لم يره جميع الناس؟

قال الباقلاني: لأن الناس لم يكونوا على أهبة وموعد لانشقاقه تلك الساعة.

فقال الإمبراطور: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟! لأيّ شئ لم تعرفه الروم وسائر الناس، ورأيتموه أنتم خاصّة؟!

قال الباقلاني: وهذه المائدة (59) بينكم وبينها نسبة، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس وأهل الإلحاد، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟!

ثم قال له: أتقول إن الخسوف إذن كان يراه جميع أهل الأرض، أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته؟

قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.

ثم قال له: ولكن مثل هذا الخبر يلزم أن ينقله الجمّ الغفير!

فأجاب: يلزمكم في نزول المائدة ما يلزمني في انشقاق القمر.

فبهت الملك ومن كان معه من النصارى في ذلك المجلس (60) .

ومما يروى في المناظرات مع النصارى كذلك ما ورد عن حاطب ابن أبي بلتعة (61) t أنه لما دخل على المقوقس النصراني ملك الإسكندرية رسولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله المقوقس عن الحرب بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه، فأخبره أنها بينهم سجال، فقال المقوقس يخاطب ابن أبي بلتعة:" أنبيّ الله يُغلب "؟! فقال حاطب:" أنبيّ الله يُصلب"؟! فكان هذا الجواب قطعاً للنصراني بما يعتقده في حق عيسى عليه السلام (62) .

خامساً: قتل المسلم بالكافر

في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ( [البقرة: 178] .

اختلف العلماء في قتل الحر بالعبد وقتل المسلم بالذميّ، فذهب جمهور العلماء إلى عدم قتل الحر بالعبد وعدم قتل المسلم بالذميّ، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالذميّ أو المعاهد ولكل أدلته من الكتاب والسنة والقياس (63) .

وقد وقعت مناظرة بين أحد أتباع أبي حنيفة وآخر من فقهاء الشافعية في هذه المسألة ذكرها الإمام ابن العربي. ونوردها فيما يلي:

قال الإمام ابن العربي: ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة 487هـ فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني (64) زائراً للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه (65) .

وشهد علماء البلد، فسئل على العادة - في إكرام العلماء بالسؤال - عن قتل المسلم بالكافر (66) . فقال: يقتل به قصاصاً، فطولب بالدليل، فقال: الدليل عليه قوله تعالى:) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ( [البقرة: 178] وهذا عام في كل قتيل.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٢٧