فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية عطاء المقدسي (67) ، وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:
(1) إن الله سبحانه قال: كتب عليكم القصاص، فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإن الكفر حطّ منزلته، ووضع مرتبته.
(2) إن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها وجعل بيانها عند تمامها فقال:
} كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى {، فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.
(3) إن الله سبحانه وتعالى قال: {فمن عفي له من أخيه شئ فاتّباع بالمعروف ( [البقرة: 178] ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول.
فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شئ، أما قولك: إنّ الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول. وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذميّ محقون الدم على التأبيد، والمسلم محقون الدم على التأبيد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذميّ، وهذا يدل على أن مال الذميّ قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه.
وأما قولك إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم، فإن أول الآية عام وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص (68) .
وأما قولك إن الحر لا يقتل بالعبد، فلا أسلم به، بل يقتل به عندي قصاصا، فتعلقت بدعوى لا تصح لك. وأما قولك:} فمن عفي له من أخيه شيء {، يعني المسلم، فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو، فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيّتان متباينتان، فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك، وقال ابن العربي: وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصّلنا منها فوائد جمّة أثبتناها في نزهة الناظر، وهذا المقدار يكفي هنا منها) (69) .
ويجيب الشافعية على اعتراضات الحنفية هذه بأن نقص العبد عن الحر في القصاص مسلّم به عند الحنفية في الأعضاء، فلا يقطعون الحر بالعبد، وأما قطع يد المسلم بسرقة مال الذميّ فهذا القطع إنما هو بسبب الخيانة، ويذكرون في هذا المقام بيت الشعر الذي قاله أبو العلاء المعري (70) :
ما بالها قطعت في ربع دينار
يدٌ بخمسمئين عسجد وديت
فيجيبه القاضي عبد الوهاب المالكي (71) :
ذلّ الخيانة فافهم حكمه الباري
عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها
كما يستدل كل فريق بأدلة من السنة، ويشهد للجمهور قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر) (72)
ولكن الحنفية يؤولون معنى كلمة الكافر هنا بأنه الكافر الحربي وليس الذميّ، وهو مستبعد، لأنّه لا يتصوّر عاقل وجود القصاص بين المسلم والكافر الحربي.
ولا يعني عدم القتل عند الجمهور عدم المساءلة، بل يعاقب بما دون القتل وتلزمه الديّة.
وممّا يؤكّد صحة ما ذهب إليه الجمهور المناسبة (73) التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر) لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام خطب المسلمين يوم الفتح، بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، وكان له عهد، فخطب عليه الصلاة والسلام الناس وقال: لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به، وقال: (لايقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ، وقال عليه الصلاة والسلام:
(لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت حراشا بالهذلي) (74) .
سادساً: تكفير مرتكب الكبيرة
نزلت بعض الآيات القرآنية تذكر عقوبة بعض أصحاب الكبائر، وتتوعدهم بعذاب جهنم خالدين فيها. فقد قال الله تعالى في عقوبة قتل النفس المؤمنة: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما ( [النساء: 93] .