أما الثانية فجاء فيها: أن أعرابياً وقف على حلقة فيها عمرو بن عبيد (47) من شيوخ المعتزلة فقال: يا هؤلاء إن ناقتي قد سرقت، فادعوا الله أن يردّها عليّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولمَ؟ قال: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردّها فلا تردّ.
ويروى في هذا المقام أن علياً - رضي الله عنه - مرّ بقدريّ، وهو يتكلم في القدر، فقال له: (أبا الله تقدر، أم مع الله أم دون الله؟) . فسكت الرجل ولم يعلم بماذا يجيب. فقال له t: (إن قلت دون الله كفرت، وإن قلت مع الله أشركت، وإن قلت بالله أصبت فقال الرجل: بالله أقدر، فقال له: لو قلت غيرها ضربت عنقك (48) .
فبهذا القول تتم البراءة من القدرية والجبرية كذلك، لأن الجبري لا يقول أقدر بالله ولا بغيره فيؤديه مذهبه إلى تعطيل الاكتساب والعبادات، ومذهب أهل الحق التوسط، يشتمل على التوحيد في الأفعال والأدب مع الفعّال (49) .
ويروى كذلك في هذا الشأن عن عليّ - رضي الله عنه - أن قائلاً قال له عند انصرافه من صفين: أرأيت مسيرنا إلى صفين أبقضاء وقدر؟
فقال علي - رضي الله عنه -: والله ما علونا جبلا ولا هبطنا واديا ولا خطونا خطوة إلا بقضاء وقدر.
فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي إذن مالي أجر.
فقال له علي: يا شيخ فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن قدرية هذه الأمة ومجوسها. فإن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً لم يُعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً.
فضحك الشيخ ونهض مسرورا ثم قال (50) :
يوم القيامة من ذي العرش رضوانا
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته
جزاك ربك عنّا فيه إحسانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا
ومن المناظرات في القدر ما يروى أن غيلان القدري دخل مجلساً فقال على وجه التحرش للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فأجابه ربيعة بن أبي عبد الرحمن (51) وقد فهم قصده: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال غيلان القدري: أيحب ربنا أن يعصى؟
فأجابه ربيعة: أيعصى ربنا كرها (52) ؟
وتروى هذه المناظرة كذلك على أنها وقعت بين أبي اسحق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكان رئيس المعتزلة في وقته حيث دخل مجلساً رأى فيه الإسفراييني فقال متحرشاً للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فقال الإسفراييني: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
فقال القاضي عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟!
فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا كرها؟!
فقال القاضي عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟
فأجابه الإسفراييني: إن كان قد منعك ما هو لك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فقطعه بذلك (53) .
رابعاً: معجزة انشقاق القمر
في قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ( [القمر: 1-2] .
ذهب جمهور أهل السنة أن القمر قد انشق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله، معجزة له دالة على صدقه. وقال الحافظ ابن كثير: (لقد أجمع المسلمون على وقوع انشقاق القمر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، وقد رويت الأحاديث الصحيحة في ذلك عن جمع من الصحابة هم أنس بن مالك وجبير بن مطعم وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين (54) .
وذكر الألوسي الاختلاف في تواتر الأحاديث الواردة في انشقاق القمر، ونقل عن ابن السبكي قوله في شرحه لمختصر ابن الحاجب: الصحيح عندي أنّ انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مرويّ في الصحيحين وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمترى في تواتره) (55) .