وقد وردت عدة آثار في ذم القائلين بالقدر منها ما أخرجه ابن ماجه في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم) (38) .
وأخرج أبو داود عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازتهم، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، هم شيعة الدجال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدجال) (39) .
وهناك عدّة مناظرات في القدر، نذكر منها هذه المناظرة التي ذكرها القرطبي في تفسيره حيث قال: أحضر عمر بن عبد العزيز غيلان القدريّ (40) فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون عليّ يا أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين: أرأيت قول الله تعالى:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ( [الإنسان: 2،3] . فقال عمر بن عبد العزيز: اقرأ يا غيلان، فقرأ حتى انتهى إلى قوله:) فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ( [الإنسان: 29] .
فقال عمر: اقرأ فقال:) وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( [الإنسان: 30] فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت – أي ما شعرت - أنّ هذا في كتاب الله قطّ.
فقال له عمر: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ حتى بلغ {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( [يس: 10] ، فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قطّ قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب.
فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبّته، وإن كان كاذباً فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام بن عبد الملك بعدما تولّى الحكم، فقطع يديه ورجليه وصلبه.
وكان مصلوباً على باب دمشق وإذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز (41) .
واختلف العلماء في سبب قتل هشام بن عبد الملك لغيلان، فيرى (ابن المرتضى الرافضي) أن هشاماً قتله، لأنه قد رآه ينادي على بيع ما في خزائنهم أيام ولاّه عليها عمر بن عبد العزيز وأنه يسبّ بني أمية، فأقسم ليقتلنّه إذا ولي هذا الأمر، فلما وليه نفّذ ما أقسم عليه وقتله، فيكون قتل هشام لغيلان سياسيّاً لا دينياً (42) . وأما بقية المؤرخين فيرون أن هشاماً قتله لقوله بالقدر. وأنه أحضر له الأوزاعي فسأله في ثلاث مسائل لم يجب غيلان على واحدة منها، فأخذه هشام وأمر به فقطعت يداه ورجلاه فمات، وقيل صُلب حيّا على باب (كيسان) بدمشق.
ويذكر ابن نباته هذه المناظرة فيقول (43) : لمّا بلغ هشام بن عبد الملك مقالة غيلان في القدر (44) أرسل إليه وسأله: يا غيلان ما هذه المقالة التي بلغتني عنك في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هو ما بلغك، فأحضر من أحببت يحاجّني، فإن غلبني ضربت رقبتي.
فأحضر الأوزاعي، فقال له الأوزاعي: يا غيلان، إن شئت ألقيت سبعاً، وإن شئت خمساً، وإن شئت ثلاثاً. فقال غيلان: ألق ثلاثاً، - أي ثلاثة أسئلة- فقال له الأوزاعي: أقضى الله على عبد ما نهى عنه؟.
قال غيلان: ما أدري ما تقول. فقال الأوزاعي: (فأمَر الله بأمر حال دونه؟) . قال غيلان: هذه أشدّ من الأولى. فقال الأوزاعي: (فحرّم الله حراماً ثم أحلّه؟) . قال غيلان: ما أدري ما تقول؟
فأمر به هشام فقطعت يداه ورجلاه فمات.
وهناك مناظرتان جاء ذكرهما في شرح العقيدة الطحاوية (45) . جاء في الأولى عن عمر بن الهيثم (46) . قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدريّ ومجوسيّ، فقال القدريّ للمجوسيّ: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدريّ: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قويّ، وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما.