تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع4 /ينابر 1989 ................... ص 45

الوحدة العربية وتوافر مقوماتها

بقلم: عالم إدريس

لقد كثر الحديث عن القومية العربية والوحدة العربية في السنين الأخيرة وظهر لها دعاة ومؤيدون كما تصدى لها معارضون ومتنكرون. وعلى كلتا الحالتين فهي فكرة لها مساس بتاريخ العرب من جميع نواحيه ومظاهره: الجنسية، واللغوية، والسياسية والاقتصادية، والدينية. وسوف أحاول أن أشرح وأحلل جميع هذه المظاهر التي تدل على وحدة العرب في الماضي، وإمكان اتحادهم في الحاضر والمستقبل.

وفي هذا المقال الأول سأبحث ـ بكيفية موجزة ـ تاريخ جنسية العرب ووحدة هذه الجنسية، ثم أتناول بالبحث ـ في مقالات أخرى ـ الوحدة اللغوية، والوحدة السياسية، والوحدة الدينية والاقتصادية إن شاء الله. ولأبدأ الآن بالوحدة الجنسية:

الوحدة الجنسية

«1»

إن البحث العلمي الحديث لا يجعل الوحدة الجنسية العنصرية من المقومات الرئيسية للوحدة الوطنية والسياسية؛ فقد توطدت هذه الوحدة في بلاد لا يجمع بين ساكنها أصل واحد وعنصر أو جنس واحد. إلا أنه لا ينكر أن مثل هذا الركن إذا توفر في بلاد ما كانت الوحدة التي تقوم فيها أقوى وأشد تماسكا من الوحدة التي لا يتوفر فيها هذا الركن، لأن في توفره تتوفر الميول والطبائع والتقاليد على اختلاف أنواعها.

وهذه الوحدة متوفرة في الوطن العربي منذ أقدم الأزمنة إلى الآن، فمهما تختلف آراء الباحثين في منشأ الجنس العربي قبل وجوده في جزيرة العرب فمعظمهم متفقون على أن هذه الجزيرة ـ منذ أن صار البشر يحيون نوعا ما حياة مدنية وسياسية واجتماعية، ويخلفون آثارهم فيها لمن بعدهم مما يمكن أن يعتبر بدء التاريخ الإنساني والمدني القديم ـ كانت مأهولة بجماعات متشابهة في الملامح والطبائع: تتكلم لغة واحدة وإن تعددت لهجاتها. وإن الأقوام التي سميت ـ خطأ ـ بالأقوام السامية وسجلت نشاطها السياسي والحربي والاجتماعي والعمراني والفكري العظيم في جنوب الجزيرة وشمالها ثم في البلاد المجاورة للجزيرة أي في بلاد العراق والشام ووادي النيل هي من هذه الجماعات.

وتسمية الأقوام التي تنسب إلى جزيرة العرب بالأقوام السامية هي تسمية ابتكرها المستشرق النمساوي شلوز سنة 1781 م استنادا إلى الأنساب الواردة في سفر التكوين، وليس لها سند من تاريخ وعلم وآثار صحيحة.

والتسمية الصحيحة التي لها سند من كل ذلك هي «الأقوام العربية» فإن جزيرة العرب مقر هذه الأقوام أخذت تذكر باسم العروبة في كتب اليونان والرومان القديمة منذ ألفين وخمسمائة سنة واسم العرب الصريح أخذ يطلق على أهلها المستقرين في داخلها أو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٩٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٩٦٦