على أن ترقية المستوى العلمي والأدبي بعد تمركز العمران والاقتصاد والسياسة بالمغرب ـ لم يجدا مجالا للنمو والترعرع، ولم يتح لهما أن يجاري الأقطار الإسلامية الأخرى في النهضة والتجدد والأخذ بأسباب الحضارة والتمدين أخذا صحيحا لخطر الخوارج النازحين إليه من الشرق لاضطهادهم من جانب حكوماته حيث أنهم لم يجدوا مجالا فسيحا لترويح بدعمهم وبث دعايتهم، في أمن وأمان مثل المغرب.
وقد قاسى منهم الأمرين وذاق بسببهم من المحن والأهوال صنوفا وألونا حيث لعبوا دورا خطيرا في حوادثه السياسية، وأثاروا فتنا وحروب كان كل من العرب والبربر في غنى عنها ـ فبينما الإيمان متذبذب والشعور الديني أخذ بالضعف لبعد العهد بالهداة المرشدين أمثال عقبة وموسى.
الأدارسة واستقرار الإسلام واللغة العربية بالمغرب
وفيها الأقوال والخلافات المذهبية رائجة ونزعات الملحدين ووساوس أهل الضلالات متسربة إلى نفوس هذا الشعب البربري الضعيف الذي لا زال لم يستقم مزاجه ولم يتمخض فكره بالعقيدة الإسلامية الحق إذا بنور الأدارسة بشع على ربوع المغرب العزيز ـ ويشاهد استرسال هذا الحب وتتابعه في نفس الأخ البربري لحد القول ينمو ويتقدم ويأخذ إنشاؤه حظا من أوقات ابن الرسول ـ إدريس الأول قدس الله روحه فيقول في بهلول بن عبد الواحد المضغرى الذي كان خاصته المشايعين والمناصرين لخطته الإصلاحية والدينية عندما طفقت روابطه تنحل مع الدولة متزلفا لأغالبة إفريقيا:
ابهلول قد حملت نفسك خطة
تبدلت منها ضلة برشاد
أضلك إبراهيم مع بعد داره
فأصبحت منقادا بغير قياد
كأنك لم تسمع بمكر ابن اغلب
وقدما رمى بالكبد كل بلاد
ومن دون ما منتك نفسك خاليا
ومناك إبراهيم شوك قتاد
وإذ كان المولى إدريس يوطد دعائم الإسلام بهذا البلد العزيز، ويسعى في لم شتات فكرة التوحيد وتركيز أسس الديمقراطية، وبث مبادئها السامية في أبناء المغرب العربي ـ كان من دهائه الحاد وسهره على صيانة هذه ستارا لخفاء لانهيار الدولة، وشل حركتها البنائية إلا وسلط عليها مشرفيه البتار فأراداه لوقته.
وقد حدثنا التاريخ أن إدريس نور الله ضريحه حينما شعر إسحاق بن محمد الأوروبي ـ بالانحراف عنه وموالاة ابن الأغلب ـ بارد لقتله وبذلك صفت له الرقعة المغربية، وتمكن سلطانه فيها.
وغير خاف أن إبراهيم بن الأغلب كان قد دس لراشد مولى الفاتح الأكبر من قتله، وعلى الفور طير الخبر للرشيد يعرفه بخدعته ونصيحته قائلا:
ألم ترني بالكبد أرديت راشدا
وأني بأخرى لابن إدريس راصد
تناوله عزمي على بعد داره
بمحتومة قد هياتها المكابد
فتاه أخو عك بمقتل راشد
وقد كنت فيه شاهدا وهو راقد
والعكي هذا هو ابن مقاتل العكي وإلى إفريقيا للرشيد.
كل هذا والمسلم البربري ـ يرى ويسمع من بين تفاعيل القريض وأراجيز الشعر وأشطار القافية الجذابة ـ ما يرهف حسه، وبلين طبعه ويحفزه للتأثر تحت نقرات الوزن، ودندنة الترتيلات الشعرية وقد ألبست حلة القوة المخبوءة وراء شاشة هذا العرض الذي كان ينطوي عليه ابن الأغلب من خداع وكيد أعربت عنهما القافية بهذا اللون من الأساليب الشعرية، وشيء من هذا القبيل هو بطبيعته المنسجمة دقة ورقة لا يعتم أن يسمعوا بمعنوية المستمع ويشحذ إحساسه المزدوج فينب وثبة المتفاني الولوع للتمرن على هذا الفن الرقيق من القول، ولا بدع أن نرى البطولة بين عشية وضحاها تتمركز في نفسه التواقة لخوض غمار المعامع والاستماتة في حومات المعارك وبالأخص إذا استمع إلى قول ابن الرسول الأنور يقول: