تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سقي بقرب أو دالية أو سانية والخراج إذا كان في ارض الخراج من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والحبوب وأنواع البقول وغير ذلك من أصناف غلة الشتاء والصيف، مما يكال أو لا يكال، فإذا أخرجت الأرض شيئا من ذلك قليلا أو كثيرا، ففيه العشرة، ولا تحسب منه أجرة العمال، ولا نفقة البقر إذا كان بسقي سبحا أو تسقيه السماء، وإن كان يسقي بقرب أو دالية أو سانية، ففيه نصف العشر. وحدثنا بذلك عن حماد عن إبراهيم النخغي أنه قال: وما أخرجت الأرض من قليل أو كثير من شيء ففيه العشر وإن لم تخرج إلا دستجة بقل، فكان أبو حنيفة يأخذ بهذا ويقول لا تترك أرض تعتمل لا يؤخذ منها ما يجب عليها من الخراج إذا كان في أرض تعتمل لا يؤخذ منها ما يجب عليها من الخراج إذا كان في أرض الخراج وما يجب عليها من العشر إذا كان أرض العشر قليلا أخرجت أم كثيرا

فهو يرى أن الزكاة عامة ولا يعفى منها شيء مما انبتت الأرض أخذا بعموم الأحاديث. وبينما يرى الجمهور أن النبي في قوله ليس فيما دون خمسة أوسق من البر والشعير والثمر والزبيب صدقة قصرا لوجوب الصدقة على هذه الأشياء، وإن ما شابهها وكان في معناها يلحق بها على طريق القياس حيث كان يدخر ويكون قوتا للناس.

وهنالك وجه آخر يحتمله قول النبي «ليس فيما دون خمس أوسق من البر إلى آخر الحديث، هو إعفاء هذه الأمور الخمسة من الزكاة في قليلها حتى تبلغ خمسة أوسق نظرا لشدة الحاجة إليها في المعيشة الضرورية اليومية، بينما تبقى الزكاة في الأمور الأخرى التي لا تتوقف عليها الحياة، توقفها على هذه الخمسة على عمومها وإطلاقها، فتجب الزكاة في قليلها وكثيرها وهذا أمر معقول في التشريع كما تفعله بعض الدول المعاصرة، بل جلها من إعفاء كثير من الأمور أخرى ليست في مرتبتها من شدة الحاجة إليها أو هي من قبيل الكماليات، وهذا ما يظهر لي أنه مذهب جمهور الظاهرية. وقال الحافظ بن حزم في هذا الصدد، وقال أبو سليمان داود بن علي وجمهور أصحابنا: الزكاة في كل ما أنبتت الأرض وفي كل ثمرة وفي الحشيش وغير ذلك لا نحاشي شيئا، قالوا فما كان من ذلك يحتمل الكيل لم تجب فيه زكاة حتى يبلغ الصنف الواحد منه خمسة أوسق فصاعدا وما كان لا يحتمل، ففي قليله وكثيره الزكاة. وهذا المحمل للأحاديث الشريفة عند النظر الصادق هو أولى المذاهب بالاعتبار لأنه أعمال للحديثين معا، حيث يبقى حديث فيما أنبتت الأرض العشر عاما عدى الأشياء المذكورة في حديث الخمسة أوسق، كما يعمل حديث الخمسة أوسق فيما هو نص فيه، بينما بعض المذاهب الأخرى يجعل حديث الخمسة أوسق ويتعصب له كابن حزم ويرد على جميع أصحابه أو جمهورهم على الأقل، ومنهم من يترك عموم حديث، فيما أنبتت الأرض العشر ويتركب طريق القياس والالحاقات فيما يوكل ويدخر فيقع التخليط.

ومن جهة أخرى فإننا نرى أن الاقتصار على إيجاب الزكاة في خصوص الحبوب المذكورة هو نوع محاربة لها حيث تفرض الزكاة عليها وحدها مع ضرورتها للمعيشة.

ولو عمل الإمام أبو حنيفة بإعفاء ما دون الخمسة أوسق من الحبوب المذكورة من الزكاة حتى تبلغ هذا الحد لوافق مذهب الظاهرية وأعمل الحديثين العام في كل ما أنبتت الأرض، والخاص بالحبوب كلا فيما يقتضيه، على أن الإمام أبا حنيفة ليس وحده فيما ذهب إليه بل هو تابع لعدد من الأئمة قبله. قال ابن حزم وعن مجاهد وحماد بن أبي سليمان وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم التخفي إيجاب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض قل أو كثر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وحماد في غاية الصحة، وقد استفدنا من هذه النظرة العابرة كيف نظر الأئمة إلى أحاديث الصدفة وكيف اتجهوا في تطبيقها ومن صادف الصواب منهم في التطبيق، كما استفدنا أن التشريع الإسلامي ليس فيه قصور كما يظن هذا الظن من يقصر على النظر إليه من خلال ما يقرره أهل مذهب معين.

وتستفيد من هذا الاتجاه فوق هذا كله أن الأولى بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يبحثوا نظام الزكاة في الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها أن يبحثوا نظام الزكاة في الإسلام على أساس جديد مستمدين من منبعه الصافي: الكتاب والسنة الصحيحة، ويعملوا على تطبيق ذلك، فإن نظام الزكاة الذي لا زال يكتسي صبغة التقديس والاحترام في عقيدة المسلمين، لا ينبغي إهماله أو رميه بالقصور من غير بحث في حقيقته ومراميه.

وما أجدر وأحق هذه المؤتمرات الإسلامية التي نسمع بين الحين والحين بانعقادها ببحثها لمثل هذه المواضيع الهامة التي تتصل بصميم الشريعة الإسلامية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٩٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٩٥٣