دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ................... ص 22
الرحالة المغاربة وآثارهم
للأستاذ: محمد الفاسي
عميد الجامعة المغربية
- 3 -
وقد أزدهر فن الرحلة في أيام الدولة العلوية أيما ازدهار فألفت منذ القرن الحادي عشر عدة رحلات شتى الأنواع نشير بالخصوص إلى الرحلات الحجازية وقد بلغ عدد التي وقفت عليها أو بلغني خبر وجودها نحو الخمسين رحلة نذكر منها أهمها مبتدئين بالرحلة العياشية التي فتحت هذه السلسلة الطويلة.
سافر أبو سالم العياشي إلى الحجاز سنة 1064 وألف رحلة سماها: ماء الموائد وقد نالت شهرة ذائعة وطبعت بفاس على الحجر في مجلدين ضخمين منذ خمس وخمسين سنة إلا أنني ـ اعتبرها سببا في انحطاط هذا الفن لأن العياشي ابتعد في كتابه هذا عن التقاليد التي أسسها الرحالون الأولون كابن جبير الأندلسي والعبدري من وصف المراحل والاهتمام بالناحية الطبيعية الجغرافية وبأخلاق الناس وعوائدهم عبارة عن مؤلف علم حشر فيه من المناقشات الفقهية والصوفية وغيرها ما لا مساس له بالسفر وأكثر من ذكر الإجازات والأسانيد الشيء الذي كان الأولون يخصصونه كتب البرامج والفهارس، ولعل الذي دعاه لذلك الذوق العام كلن يسود المثقفين منذ أيام السعديين، وحيث هب المغرب من أقصاه إلى أقصاه للدفاع عن بيضة الإسلام ومقاومة الاحتلال المسيحي الذي انتهز ضعف السلطة المركزية أيام الوطاسيين وحاول الاستيلاء على البلاد فقام علماء الدين يذكون العاطفة الإسلامية لصد هذه الغازات وكلل عملهم بالنجاح في وقعة وادي المخازن ولأكن بقيت النفوس مطبوعة بذلك الطابع الخاص الذي جعل المؤلفين لا يكادون يكتبون في فن ولو بعد ما بعد عن الناحية الفقهية، إلا ويرون أنفسهم ملزمين بالاستطرادات الراجعة لهذه الناحية.
وقد تبع هذه الطريقة من جاء يعد العياشي فصار كل ذي اختصاص يبحث عن المناسبات ليملأ رحلته بما يتعلق باختصاصه.
وقد كنت وقفت في خزانة الفاضل الحاج عبد السلام بنونة رحمة الله بتطوان على رحلة حجازية أسها المعارف المرقية في الرحلة المشرقية ألفها أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الرافعي التطواني وقد رحل سنة 1096 ويظهر أنه كان أديبا شاعرا فجعل من كتابه هذا منتخبا لإشعاره وهي مع ذلك لا تخلو من فائدة.
وفي سنة 1100 حج أبو العباس سيدي أحمد بن محمد «فتحا» بن عبد الله معن الأندلس، ورافقه في حجته تلميذه أبو العباس القادري فألف رحلة سماها: (نسمة الآس في حجة سيدنا أبي العباس)
وهي الجملة من هذا النوع، إلا أنها تمتاز بأسلوب جميل حي يجعلها في نظري من أبدع الرحلات التي ألفت في المغرب. وقد سافر سيدي أحمد بن عبد