تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهذا أنه قطع كل بلاد المغرب في طريقه إلى الشرق ولم يركب البحر.

هذا مجمل وجيز من هذه الرحلة الثمينة، وهي شاهد عظيم على ما بلغت إليه المعارف في المغرب في العصر العبد ري، إذ الرجل كما يظهر من رحلته هذه: عالم جليل له إطلاع على علوم الشرع، ومعرفة واسعة بدقائق اللغة، وفنون الأدب، وهو يرى أن كل هذه العلوم في تقهقر واضمحلال بعواصم العلم، باستثناء تونس وما كان من بعض آحاد الأفراد ممن لقيهم كابن خمسين في تلمسان بالقيروان وابن المنير بالإسكندرية وابن دقيق العيد وشرف الدين الدمياطي بالقاهرة.

وقد ننبه المستشرقون لهذه الرحلة وأهميتها منذ القرن الماضي، وكان أول من اشتغل بها المستشرق الفرنسي شيربونو فنشر بالجريدة الاسباوية سنة 1854 مقالا عنها أبعه بترجمة بعض فصولها، وأهتم بها بعد ذلك غيره من المستعربين، وإن كانت إلى حد الآن لا تزال مخطوطة ولم يوفق بعد أحد إلة نشوها مع تعدد نسخها، حتى أني وقفت منها على ثمان نسخ بمختلف الخزانات التي زرتها، وقد قال شبروبوتو المذكور عن رحلة العبد ري: «أنني قلما رأيت كتابا عربيا مفيدا ممتعا لدرجة ممتعا لدرجة رحلة العبد ري، وذلك لبس فقط لصحة تحقيقاته الجغرافية ولكن أيضا لتفاصيله عن الآثار القديمة ولدراسته للعوائد ولتقديمه لنا جل العلماء المسلمين في القرن السابع».

كما قال بونس بويكس الإسباني: «ورحلة العبد ري كما يرى يسودها الإخلاص والتدقيق في الوصف وأسلوبه فيها حي جميل وهذا هو السر في إقبال الناس عليها، وفي النجاح الذي صادفته في الأوساط الأدبية».

ولم ينته القرن السابع حتى توجه إلى المشرق رحالة ثالث وهو أبو القاسم التجيبي السبتي ووضع وجهته هذه رحلة نقل عنها المؤلفون أنثوا عليها وقال عنها ابن حجر في كتابه الدرر الكامنة: «وهي ثلاثة مجلدات ضخمة وقد حذا فيها حذو ابن رشيد وكان رحل قبله بنحو عشر سنين وزاد هو على رحلة ابن رشيد بتضمين الرحلة مشيخة له مستوعبة» كما قال عنها أحمد بابا السوداني وهو ينقل عنها في كتابه نبل الابتهاج: «كتاب نفيس في ثلاثة مجلدات» وأحمد بابا آخر من رأيته ينقل عنها مباشرة وهي مع الأسف تعتبر مفقودة وقد قيل أن مجلدا منها يوجد بتونس ولا كنني لم أتحقق بعد من ذلك وكان سفر التجيبي سنة 696 وهو مؤلف برنامج حافل بذكر المشايخ الذين لقيهم في عواصم العلم بالمغرب والأندلس والمشرق وقد وقفت عليه بخزانة الاسكوريال وهو من أحسن ما وضع في هذا الفن وطريقته فيه أن يذكر المؤلف الذي درسه ومؤلفه وعلى من قراه ومحل ذلك وتاريخه وبتتبع هذا البرنامج يمكننا أن نطلع بتدقيق على سير دراسة أبي القاسم التجيبي مع تاريخ تنقلاته كما يستفاد منه أسماء الكتب التي كانت شائعة بالمغرب في القرن السابع.

وتوفى التجيبي ببلده سبتة سنة 730.

وفي أوائل القرن الثامن بدأت رحلة ابن بطوطة التي كانت الغاية منها الأولى أداء الفريضة ثم طالت نحو ثلاثين سنة جاب إثناءها أقطار المعمور، ومحل الكلام عليها في الرحلات العامة. وبعد رجوعه بيسير سافر إلى الحجاز أبو الفضل أين أبي مدين العثماني وكان من الزهاد وألف رحلة «أحكم تصنيفها ووصف فيها عجائب ما أرى» على ما ذكره معاصره أبو عبد الله الحضومي في كتابه في كتابه السلسل العذاب المخطوط ولكن هذه الرحلة قد ضاعت كما ضاعت الرحلة التي ألفها في هذه المدة أبو عبد الله ابن سعيد الرعيني المعروف بالسراج من أهل فاس المتوفى سنة 771 وقد ألف أيضا منظومة في مراحل الحجار ذكرها مترجموه ولم أثر لكل هذا.

وفي القرن التاسع من اختلال أحوال الدولة المرينية وفقت هذه الحركة ولم يحدثنا المؤرخون عن راحل ترك لنا أخبار أسفاره إلى الحجاز مدونة إلى أواخر هذا القرن عندما قصد الحجاز الشيخ زورق البرنسي الفاسي دفين مسراته بطرابلس الشهير ووضع رحلة لا تزال منها بعض النتف في بعض الخزائن.

ولأكن بعد انتهاء الفوضى التي كانت سائدة أيام الوطاسيين واستتباب الأمر أيام السعديين عاد المغاربة لتدوين أخبار رحلاتهم في مصنفات وصلنا بعضها.

وأولى هذه الرحلات التي كتبت أيام السعديين لشخص من أهل المغرب يسمى أبا العباس أحمد الحجري ويعرف بأفوغاي، وكان في صباه على ما يظهر بقطن بالأندلس مع تلك البقية الباقية من المسلمين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٥٤