تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ازداد انهماكنا فيها، وانصرافنا إليها ووهبناها كل حياتنا، وبذلك تتحول هذه الأشياء الصغيرة من أشياء منعشة للروح الإنسانية إلى أشياء سخيفة تبعث على الاستخفاف.

مداعبة قطة، تأمل نملة، ابتداع صور من الورق الملون، حل رموز الكلمات المتقاطعة، الاستمتاع إلى قطعة موسيقية، الاختلاف إلى دور الصور المتحركة، مزاولة إحدى اللعب الرياضية، وباختصار مباشرة أي عمل لا ينتمي إلى أعمالنا اليومية، كل ذلك يبدو سخفا في سخف عند تاجر عتيد - مثلا - ومن هؤلاء التجار الذين جعلوا تجارتهم همهم بالليل وهمهم بالنهار، وبذلك يزداد نهمهم إلى الربح والكسب، وتكثر حيلهم ويشتد عود مكرهم، ولا يصبح المجتمع في نظرهم إلا مصدر من مصادر الاستغلال والاستغفال. ولماذا؟ لأن النسيم الإنساني الذي يتمثل في هذه الأشياء الصغيرة كف عن الهبوب غير القيظ والجفاف.

وصديقي بالتأكيد ليس من هؤلاء التجار، هو لا ينتمي على الإطلاق إلى عالم الكسب والمضاربة، ولكن أشياء جدية أخرى طغت على حياته، وأنه مخلص لعمله إلى حد الإنهاك، وهذا ما أزعجني، لان الإخلاص للعمل لا يعني على الإطلاق نسيان هذه الأشياء الصغيرة التي تعتبر هي نفسها جزأ من الإخلاص للعمل، لأنها تروي إنسانيتنا، وتربطنا بالمجتمع، وتجعلنا أكثر إخلاصا للمسائل العامة من المسائل الخاصة، يضاف إلى ذلك إنني أخشى أن يتأخر به جده في الجد جيلا إلى الوراء.

... فقيلا من الاهتمام بالأشياء الصغيرة أيها الصديق الكريم.

24 أكتوبر

بئر

رأيت ليلة أمس فيما يرى النائم أنني أسير في موكب يضم أصدقائي، وكنا نمرح ونضحك في سعادة وانشرح، وفجأة خلت صفوفهم مني، ولكن أحدا منهم لم يتلفت لما وقع، وإنما واصل الموكب سيره وضحكه وانشراحه.

وكان سبب اختفائي يرجع إلى أنني سقطت في بئر اعترضت سبيلي، وقد اخترقتها - نزولا - في سهولة ويسر، فلما وصلت إلى أرضها حططت كما يحط الطائر دون أن أصاب، واستمر الظلام والسكون ثم أخد النور ينبثق كأنه الفجر، أحاطت بي وجوه بدت لي غريبة في أول الأمر فما لبثت أن استأنست بها، وتألف موكب جديد وبدأ المرح مرة أخرى، واستأنفت السير في الموكب الناشئ كأنني في الموكب القديم.

وأنا اهتم اهتماما شديدا بأحلامي، لأنني استطيع عن طريق تحليلها أن أضع يدي على حقائق محجوبة عني وإن كانت تتعلق بي، لأنها تقع خلف أسوار اللاشعور العالية، التي تظل مغلقة الأبواب و النوافذ، ومادمنا على قيد اليقظة.

والحلم الذي رأيته أمس حلم عادي، ولكنه شغلني طول النهار، لأنه تصوير للحياة الدبلوماسية التي لا يلمس البعيدون عنها، إلا ما تتسم به من أناقة ظاهرة تستر خلفها حقائق مرة.

وأنا شخص ألوف جدا، حتى أنني لو كنت أومن بتناسخ الأرواح لما خامرني أي شك في أنني كنت قائل هذا البيت المشهور:

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبى

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

ولي في كل مكان أصدقاء أحبهم وأحن إليهم، وكلما تقدم بي العمر زاد عدد من افقده من هؤلاء الأصدقاء، لأن حوادث السقوط في الإبيار تكرر ... فتتضاعف في صدري حرقة الشوق، وتنصرف الحياة بأصدقائي القدماء فتطمس معاملهم أمواج الحياة. ع. ب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٩٨