تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنه لا يتقيد بنماذجه، ولا يعنيه مدى بعد المسافة التي تفصل بين شخصياته كما تبدو في لوحاته، وبين واقعها كما تبدو خارج هذه اللوحات، أي خارج إحساسه ووجدانه كفنان.

إن الذي يهم الفنان بناني هو (المعنى) فقط، وهذا المعنى يتجلى لنا بوضوح في لوحاته (التائه)، انه لا يرسم تائها، وإنما يرسم ((التيه)) نفسه مجسدا على هيئة إنسان، يرسمه مجسدا في إغماضه العينين، وانفراج الشفتين، واسترسال الشعر وشروده وكثافته على هذا النحو الغريب، ويرسمه في امتداد العنق وانتصاب القامة، واستسلام الملامح المتعبة المكدودة، والقصد إلى ((أمام)) شأن من لا يبحث عنه، أو يسأل عليه، إنه يسير فقط، يسير نحو مجهول لا يعرفه، ولا يهتم بمعرفته.

وننتقل بعد ذلك إلى (استسلام) التي يعتز بها الفنان كريم بناني، ويعتبرها من أحسن ما أنتجه، إنك لا تستطيع أن تديم النظر إلى هذه اللوحة دون أن تحس في نفسك بالتعب والإعياء والرغبة في الوقوف عن كل عمل، أو حركة، أو كلام، أو سعي، أو مقاومة، ودون أن تحس الرغبة في (استسلام).

إنك تحس أن ((الشخص)) المرسوم على هذه اللوحة يطلب منك في ضراعة أن تخلي طريقه وأن تبتعد عنه وأن تترك له السلام.

أما كيف تأتى للأستاذ بناني أن يشعرك بكل ذلك، فان ذلك هو سر الموهبة على أنك تستطيع أن تتمثله في الفم الفاغر المائل إلى اليمين، والشفاه المسترخية المكدودة، والعينين المطموستين، وهذا الخط العريض على أحد جانبي الفم، ثم في هذا الجو الذي يشيع في الصورة كلها، والذي يوحى بالرثاء والرحمة. ويبعثك على أن تشارك هذا اليأس آلامه وأن تستجيب لضراعته، فتحول أنظارك عنه، وتتركه لهمه وبؤسه وألمه.

بقي أن نقول كلمات أخرى، وهي أن الفنانين المغاربة، كما يبدو من لوحاتهم جميعا، لا يزالون يلتمسون طريقهم في البحث عن شيء، شيء تمتزج فيه تأثراتهم بالبيئات الفنية المختلفة التي عاشوها في باريس وغيرها، بميراثهم الطويل العريض من المفاهيم والعادات، والقيم، وأسلوب المعيشة، ومستواها، ومن المحسوسات الأولى التي فتحوا عليها عيونهم وآذانهم، ولمسوها بأيديهم.

وقبل أن يجدوا هذا الشيء، لا بد لهم أن ينتهوا، ويضطربوا ويقلقوا.

وقد بلغني أن معرض الفنانين المغاربة في دمشق، كانت تختلف حوله التعاليق الكثيرة، لكنها جميعا كانت تتفق في شيء واحد، هو أن أعمال الفنانين المغاربة، يكتشفها الغموض والقلق.

ع ق ص

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٩٦