تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تقبل المغفرة، ذلك لأنه كان من خطته ألا يجتمع العرش والشعب/ وألا يكون ما بينهما إلا فراغ يملأه الاستعمار بالشك والريبة وسوء الظن.

لقد كان الاستعمار في هذه "منطقيا" مع نفسه، كان يعلم أن العرش والشعب لن يجتمعا على خيره، وأن اجتماعهما قوة لهما معا، وأن ذلك سيكون إيذانا بضعفه وزواله، ولم يخب ظنه في هذه، فقد اجتمع العرش والشعب، وكان يوم اجتماعهما لتوحيد خطة العمل بينهما، هو يوم التدشين للطريق الوعر الذي اختارا أن يسيرا فيه معا، يشد بعضهما أزر بعض، ويتبادلان النصح والتشجيع، ويتطلعان في شوق ولهفة إلى يوم النصر، ويتعرضان جنبا إلى جنب لأنواع الأذى والاضطهاد والتنكر لكل معاني الإنسانية حتى بلغا الغاية معا، وحتى عاد جلالة الملك من منفاه السحيق، ليقول لشعبه أول ما يقول

((أيها الشعب العزيز،

لقد أخلصت كما أخلصت، وأديت الواجب أحسن أداء كما أديت))

أجل، لقد أخلص العرش، وأخلص الشعب، وأدى كل منهما واجبه أحسن أداء وأتمه وأكمله، وكانت النتيجة، كما تمثل بذلك صاحب الجلالة نفسه في يوم عودته:

((الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور))

وسيكتب يوما تاريخ الكفاح المغربي ضد الاستعمار الفرنسي، وسيكون اليوم الثامن عشر من شهر نونبر من كل سنة، من أبرز أيام هذا التاريخ وأنصعها بياضا وأكثرها إشراقا واحتباس الأنفاس ساعة إلقاء خطاب العرش، ذلك لأنه لم يكن قط مجرد خطاب يلقى بمناسبة، وإنما كان وقفة في كل سنة، لتجديد العهد والإعلان عن التصميم، كان درسا سنويا في الوطنية المثالية النادرة، كان درسا عمليا في الشجاعة في الحق والإيمان به والتعصب له، كان نداء حارا صادقا لضمير الإنسانية ووعيها.

وكان بالنسبة للمستعمرين شيئا آخر، كان بالنسبة لهم فرصة لقياس الحرارة والقوة، في كل مرة كان المقياس يخلف ظن المستعمرين، فيخرجون عن البقية الباقية من رشدهم، ويفلت منهم زمام أعصابهم المكدودة المرهقة، ويعودون إلى التجربة الفاشلة ... الفاشلة دائما تجربة السجن والنفي والتقتيل والتعذيب وانتهاك الأموال والحرمات والأعراض.

أما الشعب، فكان يخرج في كل مرة من المحنة أكبر مما كان عندما دخلها، كان يزداد وعيا بمصيره. بالوسائل التي يجب عليه أن ينهجها للوصول إلى هذا المصير.

وعندما يحتفل الشعب المغربي بعيد العرش في هذه السنة، وفي السنوات الطويلة المقبلة، سيظل يذكر دائما أنه يحتفل بعيده الذي لم يفرض عليه، ولم يوح إليه أن يحتفل به، وإنما كان هو الذي فرضه وفرضه عيدا وطنيا بكل كامل معناه، وسيذكر العشرات منا دائما أنهم استنطقوا في محاكم الاستعمار عن تصرفاتهم في عيد العرش، وأنهم سئلوا عن الشعارات التي كانوا يهتفون بها، وعن الخطب التي القوها أو استمعوا إليها، وعن قصدهم في السعي إلى الرباط، وعن خروجهم من بيوتهم، وعن رجوعهم إليها وعن أعمارهم وأسمائهم وأعمالهم .. وما إلى ذلك من هذه السلسلة السخيفة المملة، التي كان المستعمرون يملأ ون بها أوقاتهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون أما نحن فقد كنا على بينة مما نفعل، كنا نعلم علم اليقين أننا نسير إلى غاية رسمناها بدقة منذ البداية وأن الضمان الأكبر للوصول بأكبر سرعة ممكنة إلى هذه الغاية، في تماسك العرش والشعب ووحدتهما وامتزاجهما، وقد تحققت الغاية لأن الوسيلة إليها كانت دقيقة محكمة.

ولا يزال أمامنا حتى اليوم غايات يجب أن نعمل على تحقيقها، لا يزال أمامنا أن نحقق جلاء الجيوش الفرنسية والاسبانية والأمريكية عن بلادنا، ولا يزال أمامنا أن نحقق وحدة ترابنا، لايزال علينا أن نساهم بحظنا الكبير الوافر في تحقيق وحدة المغرب العربي، التي لمن تتم أبدا بدون استقلال الجزائر، لا يزال علينا أن ننهض باقتصادنا وأن نعلم أولادنا، لا يزال أمامنا الكثير جدا من الغايات، وستكون وسيلتنا إلى تحقيقها دائما، كما كانت من قبل، في تماسك العرش والشعب، وشعور كل واحد منهما لواجبه، واستعداده لتأدية هذا الواجب.

واليوم ذلك، سيذهب الحزن كله ويتفرغ العرش والشعب معا لاستئناف الكفاح في طريق أخرى، من أجل السلم، والسعادة، والاستقرار.

دعوة الحق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٤٧