تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محاولة جديدة لدراسة الموضوع، أرجو أن يوفق كاتبها إلى مراجعة مصادره، وبالأخص منها الوثائق التي تتجلى في المكاتبات الخاصة بين السلطات المركزية في المغرب والسلطات الدولية التي كانت تنازع المغرب سيادته واستقلاله، ثم في البعثات الدبلوماسية التي كانت تتردد بين المغرب وتركيا، أو بين المغرب واسبانيا والبرتغال.

واجب أن أنبه الكاتب إلى بعض الأخطاء النحوية و اللغوية، وهي قليلة، ولكن ما كان ينبغي أن يقع فيها. وما رأيه مثلا في أن (أسبغ) لا تكتب بالصاد؟.

وفي العدد ترجمتان لبطلين من أبطال المغرب هما (عبد الله بن ياسين) و (محمد العياشي)، كتب الثانية رئيس تحرير المجلة (عبد القادر الصحراوي)، وفي كل منهما عرض واف لمراحل الكفاح التي اجتازها البطلان، سواء الدعوة إلى التحرر الديني كما اصطبغت به دعوة عبد الله بن ياسين، أو التحرر السياسي كما اصطبغت به دعوة (العياشي). وألاحظ في ترجمة (ابن ياسين) إن الكاتب نفى عن (عبد الله بن ياسين) كل تفكير سياسي، وإذا كان قد استهدف لخوض غمار السياسة فإنما ساقته إلى ذلك الحوادث القاهرة، الذي اعتقده أن العمل السياسي كان هو الهدف ابن ياسين، وقد تكون الدوافع دينية أو خلقية، ولكنه كان يهدف إلى تكوين دولة، وقد تكونت هذه الدولة بعد أن مهد لها الطريق وفتح لها أبواب المعركة.

أما ما ألاحظه على كاتب ترجمة (محمد العياشي) فهو هذا الاستطراد الممل والطول المتعب والحرية التي يعطيها لنفسه، سواء اكتب المقال أو البحث أو الترجمة فعشر صفحات من المجلة كثيرة جدا على المعلومات القيمة التي قدمها للقراء عن (محمد العياشي) والموضوع طريف والرجل مجهول نسبيا، ولكن الموضوع والمعلومات كثيرا ما تضيع وسط الاستطراد و ((والبحبحة)) في الكلام، لعل عذر السيد (الصحراوي) أن وقته لا يتسع للتركيز والاقتصاد في القول.

ثم يأتي مقال (نحو مستقبل أفضل) للسيد (محمد بناني) وهو عرض وتصوير لبعض أوضاع المجتمع المغربي، وقد بدأه منذ خلق الله آدم (آدم العربي بالطبع) ولكنه مع ذلك تصوير لمعالجة الإسلام مشكلة تكوين المواطن الصالح عن طريق المسجد والمدرسة والنادي، وعن طريق العبادة والعقيدة والصوم والزكاة، ودعوة إلى فرض ضريبة الزكاة كعلاج للفقر، وكنت أفضل أن يعرض الكاتب بحثه بطريقة موضوعية، فيتصور مجتمعنا، ويقترح ما يراه من إصلاح لبناء مستقبله على أسس أفضل، وبذلك يتحد موضوعه وتتركز أفكاره الإصلاحية التي تدعو إليها.

وبحث آخر طويل عن (أسير اغمات) كتبه السيد (المهدي البرجالي) وفي البحث مجهود مشكور وتلمس للحقائق من خلال التاريخ، ولكنك تبحث عن جديد من النظريات أو النتائج فلا تكاد تجد رغم طول البحث، ومهما يكن فإن المجهود الذي يبذله شبابنا في تلمس الحقائق ودراسة تاريخ بلادهم وتفهم المشاكل العلمية عن طريق الدراسة والبحث، كل ذلك مما يبشر بمستقبل زاهر للحركة الفكرية في هذه البلاد.

وفي بحث (العروبة و الإسلام) يلخص الدكتور (المهدي المنجرة) النظريات التي أبديت عن نشأة العالم العربي الإسلامي، والاختلاط الذي حدث في التفريق بين العربي والمسلم، بين العروبة والإسلام، وبين الحضارة العربية والحضارة الإسلامية، والثقافة العربية والثقافة الإسلامية.

وقد انتهى من بحثه إلى نتيجة تتصل بواقعنا من مفهوم ((عربي)) وهو أن هذا المفهوم يعتمد على اللغة وعلى فحوى وطني، تلونه المفاهيم الجيدة للقومية التي تحاول أن تتجاهل الشريعة الإسلامية (لعله يقصد الدين الإسلامي) دون أن تتجاهلها.

والبحث قيم في حد ذاته، ولكن الملاحظ أن النظريات التي ساقها الكاتب - ومعظمها صائب - لخصها أو اعتمد فيها على مصادر أجنبية. وبعض هذه المصادر تحدوها نزعة غير علمية حينما نتحدث عن العروبة والإسلام، ويمكن أن يضرب مثلا لذلك بالحكم الذي أصدره (الدكتور حتى) (وهو عربي الأصل مسيحي الدين غربي الثقافة) وفي موضوع انتصار الفكرة الإسلام في العهد الأموي، فقد قال (حتى) في هذا الصدد: (لقد انتصرت العروبة بادئ الأمر، وليس المحمدية) وأضاف المنجرة تفسيرا لذلك قائلا: (ذلك أن قرنين انصرما قبل أن يبدأ الناس في ممارسة الإسلام) وقد يكون الدكتور (حتى) انساق مع ما يقرره التاريخ من أن النزعة الأموية انتصرت على النزعة الهاشمية، ولكن رغم العصبية القبلية التي كانت تسير الحياة السياسية في بداية العهد بالإسلام، فإن الفكرة المحمدية، أعني الإسلام، كانت فوق ذلك ولا يمكننا مطلقا أن نقرر - مع المنجرة - أن الناس لم يمارسوا الإسلام إلا بعد انصرام قرنين. واعتقد أن السيد المنجرة لو اعتمد على مصادر عربية إلى جانب مصادره الأجنبية، لتحرر قليلا من المسلمات التي نقلها، وكأنها وحي نزل السماء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧١١