دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 .................... ص 54
درس في الأدب
للأستاذ: محمد الصباغ
إلى المشرفين على التعليم في بلادي
صباح الخير يا إخواني الطلبة.
اجتمعنا في هذا اليوم الأول من الموسم الدراسي الجديد الذي نحن بصدد تدشينه في هذا الفصل بالدرس الأول في تاريخ الأدب. وبين يدي منهج الأدب العربي لهذه السنة. وقد كلفت من طرف مصلحة التعليم الثانوي، والتي لا ترحم معلما، أن أدرس معكم كل ما يحويه هذا المنهج، وأن تخبروا أنتم، وتعلموا دقائق محتوياته. فهل أراني ألبي؟ وهل أعاكس ذوقي في الأدب، وجوهره، وماهيته فأنفذ معكم مقررات هذا المنهج عن آخرها؟ وهل أخلص لذوقي وميولي التي كونت هذا الذوق في الأدب، فأطرح المنهج جانبا، وأنفذ معكم إلى لب الأدب الكمين في سراديب الحياة؟
لو كنت يا إخواني الطلبة، معلم الحساب، أو الهندسة، أو الجغرافية، أو ما شاكل ذلك من العلوم العملية، أو الطبيعية، أو اللسانية، أو الاجتماعية، لطبقت مقررات مناهجها تطبيقا تاما يرضي مصلحة التعليم. أما، ونحن في حضرة الأدب الذي لا يحد بحدود، ولا يستقيم في مقررات ولا مناهج، فإني أشفق عليكم، وعلى نفسي، وعلى الأدب كذلك من أن نسيجه، و نسيج أنفسنا معه في دائرة لا حدود لها، ولا منتهى، ولا قرار.
فلننفذ إذاً إلى أسرار الأدب الخبيئة في طلاسم الحياة، التي نمر بها، ولا نحفل بها، وتمر بها فئة مختارة عجائبها. وهذه هي الفئة التي نسميها: فئة الأدباء والشعراء التي تكشف لنا عمق هذه الأسرار التي من بينها أسرار حياتنا وحقيقتها المحجبة عنا بأستار لا ندركها ببصرنا. وهذه الأسرار التي ينفذ إليها الأدب، ويكتشفها لنا، وهي أبعد وأوسع من أن يشملها هذا المنهج بين دفتيه.
لا أيها الأخوة، ليس هذا المنهج من صلب الأدب في شيء. وإني أربأ بكم أن تتخذوه مسلكا نيرا لحقيقة الأدب، وهذه الحقيقة التي يجب أن ننفذ إليها مذيبين قشرتها بشرارة عواطفنا وإحساسنا حتى نلمسها بين أصابعنا. وإذا نحن لمسناها، لمسنا روح الحياة التي تجري في قلوب الشعراء جداول من ورد، وسواقي من عطر السماء.
فما هي هذه الحياة؟ ومن هم الأدباء؟ وكيف هؤلاء الأدباء تمخضت بهم الحياة حتى أصبحوا وتاريخ الحياة توأمين؟
ليس علي أن أكون فيلسوفا لأحدد معنى الحياة تحديدا ((عقلانيا)) كما يقال. لأني أعلم أن العقل لا يستقر به قرار، ولا يخضع لمفهوم أو مدلول، أو تحديد. فهو دائما يجنح إلى ما وراء العقل، فيسقط في حومة الجدال والنقاش من قال ويقول، وزعم ويزعم.
فلندخل يا أحبائي إلى الحياة من باب الحياة الواسع، لندخل إليها بعواطفنا ومشاعرنا. وما الحياة إلا مجموعة من العواطف، والآمال، والأحلام، والآلام، والمخاوف، والأشواق، والأفراح، والنزعات، وما ينتاب الإنسان، وغير الإنسان، من جماد وحيوان