تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((اسمعيني يا نفيسة، إننا مثلا نخشى الذئب على غنمنا ... ولكننا لو قدرنا أن للذئب عقلا وأننا هادناه على أن يأخذ كفايته من الغنم، فهل يعود هناك ما نخشاه منه؟ .. لا طبعا ... وإذن فآن لي أن أطمئن إلى ذئبي العاقل ((القائد حمو)) ... إنه رجل ... لقد بلوته تسع سنتين لم أر منه فيها بادرة غدر))

_ ((إلا أخيرا؟))

وأجفل العياشي، وتراجع إلى الوراء من غير أن يحول نظره عن عيني زوجته، ثم أقبل عليها ثانية وقال _ وهو يحاول أن يجعل لهجته طبيعية _:

((نفيسة ... إنك سمعت شيئا تكتمينه عني ... قولي لي .. إنك إن أصررت على الكتمان أغضبتني))

_ ((أنا أحق منك بالغضب يا عياشي، لأنك أنت الذي كتمت عني أنا زوجتك شيئا يتحدث به عنك جميع الناس في القرية ... إنهم يقولون إن (القايد حمو) طردك بالأمس من داره، ويقولون أيضا إنه يهددك في أحاديثه .. لأنه .. أوه! .. إنني لا أصدقهم .. أليسو يكذبون يا عياشي؟))

_ ((نعم، إنهم في الحقيقة يكذبون))

_ ((ولكن ... لماذا ذهبت إلى هناك؟))

_ ((لأنه كان علي أن أراه ... أمر ضروري قبل كل رحلة ... اتصل به لنتفق على الزمان والمكان .. ولكنني لم أجده بالأمس في الدار، فأرادتني زوجته أن أنتظره في حجرته، فلما عاد نعى علي أن أدخل بيته في غيبته ... وقد آلمني كلامه، فلم أتردد أن ذكرته أنه ليس إلا صنيعتي وأنه لولاي لم يكن له بيت ... ))

_ ((وهل لازلت، مع هذا، مطمئنا إليه؟!))

_ ((كيف؟ ... إننا ما لبثنا أن تصالحنا اتفقنا على الوقت والطريق كأن لم يكن هناك شيء))

_ ((ولماذا لا تعدل عن السفر؟ .. إنه قد يشي بك يا عياشي لأنك جرحته))

فانطلق العياشي طويلا ثم رفع رأسه وقال:

((إنه لا يستطيع أن يشي بي يا نفيسة، لان مصيره ومصير آخرين مرتبط بمصيري .. ولكنني _ مع ذلك _ أعدك أن لن أدخل في هذا الأمر بعد اليوم، ولولا البضاعة التي سبق أن شريتها لما رحلت حتى اليوم ... ثم لا تنسى _ وربت على خد نفيسة باسما _ الأساور التي أوصيت لك بصنعها. إنها تنتظر عند الصائغ))

ووقف العياشي، فسوى ثيابه، ولف عمامته بعد أن ضمخها بماء الزهر، ثم علق عليه كيسه، وارتدى جلبابه المنسوج من وبر الإبل، وواجه المرآة وهو يسأل زوجته:

((ماذا تحتاجون من المدينة؟))

فأجابت زوجته وهي منحنية على الحشية تسويها:

((شيئا من الزبيب فقط، لان الفقيه يرى أن يتناول المختار زبيبا في الصباح حتى يحفظ لوحه كما يجب))

وانسل العياشي من البيت حتى لا يوقظ أمه وولديه. وفي آخر الدرب الذي سلكه نحو الفضاء الفسيح تعثر في بقرة نائمة، فهم أن يزجرها، ولكن نفسه حدثته بأن البقرة يجب ألا تزعج في مرقدها.

وأحس العياشي بموجة من الحنان تغمر كيانه وبحاجة ملحة إلى الأمن والسلام، فالتفت متحسرا إلى بيته الذي كان النور لا يزال يلوح من أحد نوافذه ثم استأنف السير في الظلام.

ومر بالجامع، فذكر بحسرة أنه لن يلبث بعد ساعات معدودات أن يفتح أبوابه للمصلين وثم للمنتدين بعد ذلك، وتصور السعادة التي تغمر الأصدقاء حين يدورون بالصينية في أنس وغبطة ويتساقون مع كؤوس الشاي ألطف الأحاديث وأطراف الأخبار.

وجمح الخيال بالعياشي فرأى رأي العين صبحا سعيدا ينبلج ورأى صبية يسعون إلي الكتاب في خفة وبراءة ورأى بنات يملأن الجرار من العين وينصرفن بها حييات رشيقات، ورأى الحقول تلوح بأمواجها الذهبية في فتنة وإغراء وسمع الأرحية تنوح بين شقشقة الطيور وحفيف الغصون ...

لماذا .. ؟ لماذا حرم نفسه من هذا النعيم وقذف بها في جحيم المغامرات .. ؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٧٩