تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسول) فحظكم أنتم وسعادتكم بالإيمان الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة))

وقد وقع امتحان الأمة المغربية في إيمانها وفي ولائها، والوفاء بوعودها، وبيعتها لإمامها والجالس على عرشها، والمحافظة على إسلامها وعروبتها، فكان امتحانا صعبا، أقام بين الخيانة والأمانة حربا، انتهت ببيان وتمييز الصادقين المخلصين، و أعوان الظلمة الخائنين، كما ميز الله في غزوة أحد المنافقين الخبيثين من المومنين الطيبين، فهل كان لهذا التمييز أثر في العهدين العهد النبوي الكريم وعهد استقلال المغرب الفخيم؟ الجواب عن هذا لسؤال واضح من السيرة النبوية من مرحلة التطهير التي تسير فيها الحكومة المغربية، فإن رسولنا العظيم لم يكن يولي المنافقين على المسلمين أية ولاية، وكذلك لم يكن يولى من لم يحسن إسلامه، إلا ما كان من بعض المؤلفة قلوبهم الذين كانت بين قومهم عصيبة وشوكة، مثل عيينة بن حصن وأشباهه، فإنه كان يداريهم ويتألفهم بالعطايا حتى ينقادوا لحكم الله ورسوله، ويحسن إسلامهم.

وما عمل تطهير الإدارة ودواليب المصالح العامة في دوائر الحكومة المغربية من المتعاونين مع الاستعمار ضد مصلحة العرش والشعب إلا تطبيق لما توحي به السيرة النبوية التي هي قدوة للمسلمين في الاسترشاد بهدايتها لإتباع الحق وإقامة العدل، فإذا كمل هذا التطهير الذي ينادي به الشعب ويقتضيه الإخلاص لمصالح الأمة، فستسير المصالح العليا للأمة في الطريق المستقيم، وما الطريق المستقيم في هذه الموضوع غير التمييز التام بين المصلحين والمسيئين المفسدين، لأن الله سبحانه لم يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ولم يجعل المتقين كالفجار، وهذا الإطلاق يشمل الحالة الدينية والدنيوية.

ولا ينبغي أن أهمل في هذا الحديث الإشارة إلى ما يخشى أن يجري في الأوساط من المساعي والوسائط، لغض الطرف عن بعض المتعاونين حتى تبقى لهم جميع اعتباراتهم المجادلة عن الخائنين ليست محمودة في دنيا ولا دين، قال تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم أن الله لا يحب من كان خوانا أتيما.

ثم إذا تم هذا التطهير الذي تشكر عليه الحكومة الموقرة كل الشكر، فستبقى هناك مشكلة أخرى أو قضية هامة أخرى يتساءل عنها كثير من المخلصين، وليس من حقي أن أسبق الحوادث فأدلي فيها بقول فصل، ولكني أطرحها على بساط البحث بمناسبة تأليف لجنة مراجعة تشريعات العهد البائد، وألقي حولها بعض التوجيهات راجيا أن تأخذها اللجنة التي يعنيها الأمر بالدراسة الوافية، تلك هي امتيازات أولئك الموظفين القدماء ثبتت حسب نظام استعماري كانوا فيه مستسلمين لإدارته، وكان الموظفون الجدد في المعارضة بل في المقاومة، معطلة مصالحهم، معذبة أجسامهم وأرواحهم، لا يحفظ لهم مال ولا يستقر لهم بل، ينتقلون بين السجون والمنافي، ويعيشون عيشة المحروم والعافي، حتى إذا طلع فجر الاستقلال، وجد أولئك المناضلون للاستعمار الموظفين القدماء المستسلمين للاستعمار سبقوهم في جميع الأحوال، وادخرت لهم أرصدة المعاش للمآل، فهل من الحق والعدل أن يقر هؤلاء على ما أعطاهم وخولهم النظام الاستعماري فيعطي لهم من ميزانية عهد الاستقلال، ويبقى الأبطال على هامش التعويضات محرومين، قد قال أن الحق يقضي بالتسوية بين الموظف القديم والموظف الجديد، ومحو آثار الامتياز تماما بينهما في العهد السعيد، وقد يقال أن الأولى أن يعطي الموظف الجديد امتيازا جديدا نظرا لسوابقه الحسنة وجهاده في شتى الميادين، وهذه مسألة قد أثارت انتباه الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد جاء مال إلى ابن بكر الصديق فقسمه بين الناس بالسوية على الصغير والكبير والحر والمملوك و الذكر والأنثى، فجاء ناس من المسلمين فقالوا يا خليفة رسول الله إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم، فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك.

وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٥٢