تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا المؤلف معروف في ميدان البحث العلمي والفلسفي وهو من الرواد الذين عاشوا عدة تجارب اجتماعية وفلسفية ولاهوتية منذ سنوات ..

ومؤلفاته العديدة ورسائله ومقالاته كانت تعنى بالمذاهب الفلسفية المعاصرة في أوربا، وعلى الأخص .. مذاهب داروين في النشوء والارتقاء وما تفرع عنه من آراء مادية في عالمي الحضارة والثقافة.

وقد كانت هذه السنوات العديدة التي قطعها كباحث ومؤلف وصحفي كافية لإقناعه بوجهة نظر .. ظل يبحث عنها حتى وجدها .. وحتى وجدناها نحن معه في هذا الكتاب الجديد .. ألذ تقدمه اليوم ..

الكتاب من عنوانه يعين الاتجاه الصحيح الذي أراد أن يتجه إليه المؤلف في رسم خطوط الفكر الإسلامي المعاصر في عالم تتصارع فيه مذاهب مادية وتناحرة من اجل مكاسب مادية ستصرع الغالب والمغلوب على السواء.

والكتاب صغير الحجم ولكنه يكاد يكون مكتوبا بلغة تلغرافية مركزة لا تعرف إلا بسط الحقيقة المدعمة بالدليل والبرهان ..

وأولى النتائج التي وصل إليها في فصله الأول: هي طعنة نجلاء في صميم المذهب يدعي انه إنساني لا يفرق بين الأديان والألوان .. فيقول المؤلف:

(قبل الإسلام لم يعرف الناس معنى «الإنسانية» وقد ابلغ محمد عليه السلام للبشر رسالته في شكل دين إنساني ودولة عالمية، تجمع بين مصالح البشر وتنشد سعادتهم، كل هذا في حدود الفطرة، في حدود الحرية الكاملة، فلا إكراه في الدولة، ولكن هاهي ذي حدود الإسلام: دين حر تقوم عليه دولة حرة .. هذه هي- الإنسانية- التي بشرت بها لناس ورسالة الإسلام).

وكان منطق المؤلف في هذا الفصل رائعا يصرع الشبهات المادية فتتساقط من حوله هامدة كأوراق الخريف ..

وكم كان المؤلف موفقا حينما عرض آراء رجال الفكر المعاصر في الحضارة المادية .. وما ينتظرها من زلزال يعصف بها .. لأنها لا تملك ما يملكه الإسلام من جذور ثابتة في أعماق النفس الإنسانية.

وكم كان المؤلف موفقا حينما خاطب تلك السواعد المفتولة .. والعزائم المشبوبة من الشباب المسلح الحيران في مفترق الطرق لا يدري أي اتجاه بقصد ..

فيقول لهم:

(لاشك عندي مطلقا في أن هزائمنا المادية كانت انعكاسا عن هزائمنا الروحية .. كما انه لا ريب في أننا مهدنا الطريق بذلك إلى غزوتين .. كلتاهما رمت إلى محو أصولنا التي قامت عليها حضارتنا الإسلامية، كانت الغزوة الأولى غزوة المحو الاستعماري، أما الغزوة الثانية فغزوة المحو المادي الماركسي، والغزوة الثالثة أفظع وأنكد من الغزوة الأولى)

ويستمر المؤلف في عرض نتائج خبرة دامت نحو الأربعين عاما من البحث والاستقرار والتفكير والاطلاع، وهو المثقف الذي يحمل عدة شهادات ويتقن عدة لغات وقد عاش أجيالا من الثقافة والحضارة.

وهو لا يتوانى عن إبراز الحقائق سواء كانت للمسلمين أو عليهم، وساء كانت نقدا ذاتيا أو منهجيا، وساء كانت لهم طائفة معينة أو تعنى الجميع ...

ويختم المؤلف كتابه بهدم المذهب المادي من الأساس وإبرازه على حقيقته خاليا من إصباغ ما يسمى بالعدالة والحرية، فقد اظهر المؤلف ما تحت هاتين الكلمتين من معنى، لا يعدو أن يكون شركا لاصطياد البسطاء والمتنورين.

وفي الوقت نفسه يرفع القناع عن العدالة الاجتماعية والحكمية والحرية الشخصية والاجتماعية في الإسلام، ويقارن بين المعاني الثابتة .. والمفاهيم السطحية المعوجة ليفسح الطريق أمام الجيل الصاعد من المسلمين ليعرف نفسه وليربط حاضره بماضيه .. وليستطلع إلى المستقبل بعزيمة صادقة وإيمان قوي .. واندفاع نحو الحقائق لا الأوهام .. والحق أن كتاب الأستاذ مظهر هو كتاب الجيل الصاعد فما أحرى هذا الجيل أن يدرس هذا الكتاب.

فاس: عبد القادر زمامة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٢٩