مجلة دعوة الحق س5، العدد الرابع
دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص1
دراسات إسلامية: صياغة مشروع لجامعة إسلامية
لفضيلة الأستاذ أبو الأعلى المودودي
نرى رجال العلم والفكر في مختلف أقطار العالم الإسلامي ينادون بين يوم وآخر بضرورة إدخال تغيير أساسي على نظم التعليم والتربية التي يتربى عليها المسلمون في العصر الحاضر ويدعون إلى إقامة مؤسسات تعليمية، على الطراز الحديث، تحلي الشباب الإسلامي بمؤهلات تكلفه لمهمة إرشاد الدنيا وتوجيهها في هذا العصر وفق وجهة نظر الإسلام. وأما ما أسس في الآونة الأخيرة من المعاهد لهذا الغرض في مختلف البلاد الإسلامية، فلا نكاد نرى أحدا من ذوي العلم والرأي يطمئن بها قلبه إذا ألقى نظره على أوضاعها ومناهجها للتعليم وما أتت به من النتائج. فمن الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، أن الحاجة التي تمس العالم الإسلامي كله في هذا الزمان ليست هي إلى كلية للشريعة تعد علماء على الطراز القديم ولا إلى جامعة عصرية تخرج ماهرين في العلوم الغربية على الطراز الحديث، بل هي تعدو هذا وذاك إلى جامعة تكون حملة للواء الإسلام كنظام للحياة في هذا العصر.
إن العالم الإسلامي من أندونيسيا شرقا إلى مراكش غرباـ إنما يجري فيه منهجان للتعليم والتربية:
منهج لا يخرج إلا الأفراد المتحلين بعقلية الغرب، المصطبغين بصبغة ثقافته حو القذة بالقذة. وهؤلاء هم الذين يسيرون اليوم دفة الحكومات في معظم الدول الإسلامية الحاضرة، وفي أيديهم أزمة أمور الاقتصاد والسياسة والمدنية فيها. ومن دواعي الأسف أن أغلبيتهم جاهلون كل الجهل بما للدين الإسلامي من الهدى والتعاليم في أمور الحياة البشرية، مفتتنون بالحياة الغربية، مهزومون أمام الثقافة العصرية الخلابة، فهم يقودون قطار الأمة الإسلامية إلى جهة تخالف جهة الإسلام ولا يأتي يوم إلا وهو فيه أسرع سيرا إلى تلك الجهة.
ومنهج لا يخرج إلا علماء للعلوم الدينية يفقدهم معرفة العلوم الدنيوية الحديثة. فلذا تقتصر دائرتهم في القيام بواجب المحافظة على ناحية دينية من نواحي حياة المسلمين العديدة ولا يتحلون، في أي مكان في الدنيا، بالصفات والكفاءات التي تؤهلهم لقيادة قطار المسلمين في هذا الزمان وإنما وظيفتهم في كل مكان وظيفة الفرملة في جهاز القطار أو بعبارة أخرى أن وظيفتهم تقتصر على إقامة الحواجز أمام سير القطار الذي تقوده الفئة الأولى حتى تهدأ سرعته. غير أني أرى بأم عيني أن هذه الحواجز طرا عليها الضعف بل قد كسرها في بعض الدول الإسلامية السائقون المتمردون الشرسون وبدأوا يسوقون قطار بلادهم على خط الإلحاد والفسوق والخلاعة والمجون غير عابئين بشيء في ذلك. فيجب علينا، قبل أن يستفحل الأمر ويستشري الفساد ويأتي يوم تتحطم فيه نلك الفرملة التي لا تزال تعمل بعض عملها في بقية الدول الإسلامية، أن نعمل الفكر والرؤية في وضع منهج للتعليم يخرج علماء يجمعون بين العلوم الدينية والمدنية معا، ولا يكونون بمنزلة الحواجز، بل يتبوأون مكان السائق في قطار حياة المسلمين، ويتفوقون على المتخرجين تحت منهج التعليم الغربي في أخلاقهم وصفاتهم في جانب، وفي مؤهلاتهم وكفاءاتهم العلمية في الجانب الآخر,