تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لسلطنتهم اليوم معزل عن الإمارة شرعا، إذ ليس بقرشي ولا اجتمعت شروط السلطة فيه العظمى،» فلما نثل المنصور ما في كنانته وأبدى ما في خبيئته وعرض ما في عيبته سكت الحاضرون ولن يراجعوا بشيء، فقال لهم: «أسكتم استصوابا لرأيي أو ظهر لكم خلاف ما ظهر لي؟» فأجاب كلهم بلسان واحد ورأى متفق: أن ذلك رأى عن الصواب منحرف، وانه بمهامه عن الآراء السديدة ولا يخطر ببال السوقة فكيف بالملوك، وذلك لان بيننا وبين السودان مهامه تقصر فيها الخطأ، وتحار فيها القطا، وليس فيها ماء ولا كلاء يتأتى السفر فيها واعتساف شيء من طريقها مع كونها مخوفة مملوءة الجوانب ذعرا، وأيضا فان دولة المرابطين على فخامتها، ودولة الموحدين على عظمتها، ودولة المرينيين على قوتها لم تطمع همة واحد منهم لشيء من ذلك، ولا تعرضوا لما هنالك، وما ذاك إلا لما رأوا من صعوبة مسالكها وتعذر مداركها، وحسبنا أن نقتفي اثر الدول فان المتأخر لا يكون اقل من الأول».

وما انتهى العلماء من إبداء رأيهم حتى رد عليهم احمد المنصور بما جعلهم يتراجعون ويقولون: «ألهمت الصواب ولم يبق لأحد ما يقول وصدق من قال عقول الملوك ملوك العقلاء».

وهكذا تقرر مصير مملكة آل سكيه، فاخذ المنصور يجهز جيشا ضخما بما يلزمه من عتاد حربي وقضى ثلاث سنوات في الاستعداد: فجمع من القبائل ما يحتاجه من ابل وخيل وبغال، وهيأ المدافع والمهاريس والبارود والرصاص والكور، وانشأ السفن لعبر الأنهار والبراميل لحمل الماء. وعبأ اثنين وعشرين ألف جندي لغزو مملكة سوغاي، وعقد المنصور على ذلك الجيش للقائد جؤذر وسيره لفتح هذه المملكة بعد أن بعث بإنذار إلى إسحاق بن داود الذي آل إليه الأمر بعد وفاة أبيه وحدوث بعض القلائل في مملكة آل سكية. وقد رفض إسحاق الثاني الإذعان لهذا الإنذار.

عبر جيش المنصور الصحراء الفاصلة بين المغرب والسودان بعدما تجمع في واد تنسيفت متخذا طريقه من ثنية الكلاوي ثم درعة، وقطع مسافة ألفي كيلومتر في خمسين يوما حتى اشرف على مدينة كاغو عاصمة إمبراطورية سغاي.

ثم وجه القائد جؤذر خطابا إلى إسحاق يطلب منه الدخول في طاعة المنصور. ولكن إسحاق رفض هذا العرض المشين واسعد للقتال. فجمع جيشا قوامه ثمانون ألف مقاتل يشتمل على ثلاثين إلف من المشاة وأزيد من عشرين ألف فارس وكانت عدتهم القسي والرماح.

واصطف الجمعان. وبدأت المناوشات. فأعطى جؤذر بالمدافع بقصف صفوف السودانيين. ولم يكونوا يعرفون هذا النوع الجديد من السلاح. ومع ذلك استماتوا في الدفاع، فكانوا يرمون خصومهم بالرماح إلى أن اختلطوا بهم. لكن لم يلبثوا إلا قليلا حتى بدأت أمرات الهزيمة تبدو في صفوفهم، فاعمل الجيش المغربي السلاح في رقابهم وهم يستنجدون صائحين: «نحن مسلمون، ونحن إخوانكم في الدين». فلم ينته النهار سكية في شرذمة من قومه بعدان أعطى الأمر بإخلاء كاغو العاصمة. ودخلها جؤذر منتصرا فأطلق السبيل لجنوده يسلبون وينهبون. ووجه إسحاق رسلا إلى جؤذر يطلب الهدنة مقابل الدخول في طاعة المنصور ودفع مائة إلف مثقال من الذهب وترتيب خراج سنوي. واشترط أن ينسحب الجيش المغربي، ويترك أمر مملكة سغاي لآل سكية. فأجاب القائد جؤذر بان الأمر بيد المنصور وأنه سيعرض عليه الاقتراح.

ولما علم المنصور بالمخابرات الجارية غضب وجهز جيشا جديدا عقد عليه للقائد محمود بن زرقون وأعطى الأمر بعزل جوذر. فقطع هذا الجيش الصحراء في مدة يسيرة إلى أن وصل إلى السودان. وأخذ يلاحق إسحاق سكية فوقعت ثلاث معارك دامية انهزم فيها ما تبقى من جيش إسحاق. وتم احتلال حواضر مملكة سغاي وفر هذا الأخير إلى الأدغال. فعزله قومه، وما فتئ إن هلك.

وقام بعد إسحاق أخوه محمود سكية، ولكنه لقي نفس المصير على يد القائد محمود.

وكتب هذا الأخير بخبر الفتح إلى المنصور. وبعث له هدايا عظيمة من جملتها على ما روى صاحب الاستقصاء «إلف ومائتان من متخير الرقيق، والجواري والغلمان وأربعون حملا من التبر، وأربعة سروج ذهبا خالصا» وغير ذلك «حتى كان المنصور

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٢٠