تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يعطي من الرواتب إلا النضار الصافي والدينار الوافي. كان ببابه كل يوم أربع عشرة مائة مطرقة لضرب الدينار الوافي دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلي وشبه ذلك. ولأجل ذلك لقب بالذهبي لفيضان الذهب في أيامه».

لكن مملكة سغاي- على خلاف ما ذهب إليه صاحب الاستقصاء- لم تذعن للأمر الواقع. فسرعان ما انتظمت المقاومة من جديد برئاسة نوح سكية احد أبناء داود الذي تقدم ذكره. ودامت هذه المقاومة أزيد من أربع سنوات، لم يستطع القائد محمود ولا القواد والجنود الذين بعثهم المنصور لنجدة جيشه في السودان إخمادها.

لقد كانت مقاومة شعبية تترصد لجيش الاحتلال وتهاجمه وتلحق به خسارات فادحة. حتى أصبح هذا الجيش لا يستطيع الخروج من الحواضر الثلاث: كاغو وديني وتنبكتو. وكان سكان الحواضر والأدغال متواطئين مع رجال نوح. فكان ضباط الجيش يفتكون بهم. وما تزال نكبة تنبكتو عالقة بالأذهان حيث وقع البطش بأعيان هذه المدينة وفي مقدمتهم العلماء الذين كانت تزخر بهم جامعة تنبكتو وقد نفي الكثير منهم إلى مراكش مصفدين في الحديد. وعلى رأسهم العلامة أبو العباس احمد بابا السوداني صاحب كتاب «تكميل الديباج». وكان يقول: «أنا اقل عشيرتي كتبا، وقد نهب لي ست عشرة مائة مجلد». وقد اعتقل هؤلاء العلماء بحاضرة مراكش.

ولكن تعريبهم على الصورة التي ذكرناها ووضعهم تحت الثقاف احدثا هزة عنيفة في الرأي العام المغربي. فلم ير المنصور بدا من إطلاق سراح احمد بابا والتخفيف على الباقي من رفقائه في المحنة بعدان فرض عليهم الإقامة بمراكش. «فتصدر الشيخ أبو العباس لنشر العلم واهرع الناس إليه للأخذ عنه، ولم يزل بمراكش إلى أن مات المنصور». فإذن له ابنه بالرجوع إلى بلاده، والتحق الشيخ بالسودان بعد أثنى عشر عاما قائلا قولته المشهورة «لا ردني الله إلى هذا المعاد ولا رجعني إلى هذا البلاد».

رجع إلى تنبكتو، فوجدها قاعا صفصفا، قد بارحها راؤوها، وانتثر عقد العلماء الذين كانوا مفخرتها وأصبحت نهبا لرهط من المتحكمين الدخلاء.

وكانت إمبراطورية سغاي تلفظ النفس الأخير لتلتحق بالإمبراطوريتين السابقتين: غانا ومالي. فلم تقم قائمة بعد القرن السابع عشر للممالك الإسلامية من هذا النوع على ضفاف نهر النيجر وفي عموم إفريقيا الغربية.

* * *

الأطماع الأوربية:

لقد اندفعت الدول الأوربية وراء غزو إفريقيا بأسرها بعد ذلك بمدة يسيرة، وتسابقت على التملك والاستغلال والاستعباد حتى كان تنافسها على المغانم يؤدي بها إلى الاصطدام. فاجتمع مؤتمر برلين في أواخر القرن التاسع عشر ليوزع القارة السوداء على الدول الأعضاء ويحدد مناطق نفوذها حتى لا يبقى نزاع بينها. تصرف هذا المؤتمر في رقعة إفريقيا السوداء وسكانها تصرفا كاملا فوزعها ووزعهم كما أراد مراعيا فقط مصالح الدول الأوربية الاستعمارية.

لكن تهافت هذه الدلو وفي مقدمتها فرنسا على احتلال إفريقيا الغربية مما نتج عن مؤتمر برلين من الإسراع في امتلاك مناطق النفوذ، لم يمنعا قيام مقاومات عنيفة دامية استمرت عشرات السنين ظهر خلالها أبطال استماتوا دفاعا عن بلادهم من أمثال عثمان دان فوديو، واحمد بامب، والحاج عمر طال، وسموري. فكبدوا المستعبدين خسائر باهظة، وأبانوا عن كفاءة ومقدرة في تشيد المماليك، لا تقلان عما امتاز به أسلافهم الأولون. ولكنهم لم يوفقوا حتى للمحافظة على حرية بلادهم أمام تقدم الصناعة الحربية الحديثة وتآمر أوربا إذ ذاك على اكتساح إفريقيا السوداء وامتلاكها واستغلالها مصادر ثروتها.

* * *

خاتمة

هذه نظرة سريعة عن ثلاث إمبراطوريات نشأت في جزء صغير نسبيا من إفريقيا السوداء. وكم لها من مثيلات في الأجزاء الباقية. وهي تعطينا صورة عما بلغته هذه القارة من تقدم مادي وفكري كان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٢١