فكيف ثم ذلك؟
هذا ما سنقصه باختصار مبينين المسؤولية التي تحملتها الدولة السعدية وبطل وادي المخازن احمد المنصور في تقويض دعائم هذه الإمبراطورية الإسلامية لقاء ما كان يرتجيه من أسلاب ومغانم. مع أن علماء المغرب الذين استفتاهم أفتوه أول مرة بحرمان غزو هذه البلاد الإسلامية لكن الغرور ركبه وغلبت عليه الأهواء والشهوات. فكان ما كان ...
* * *
نهاية مملكة سغاي
انتهى إلى علم احمد المنصور ما كانت عليه مملكة سغاي من غنى وكثرة الموارد، ووصل إلى سمعه أن بالبلاد معدن الذهب الخالص وان الناس يقصدونها من أنحاء المعمور طمعا في إبريزها. وبالغ المترددون على المغرب في وصف الثراء الذي كانت تنعم به تلك المملكة، فطمع المنصور في تملكها.
خرج منتصرا من وادي المخازن. ولم يخض معركة إلا وكتب له الظفر. وتمهد له المغرب طولا وعرضا. فقوي نفوذ المنصور في الداخل والخارج، وهابته الملوك وأصبحت تهاديه وتخطب وده وقد اقل صاحب الاستقصاء: «ولم تزل الوفود مترادفة بباب المنصور. والإرسال تصبح وتمسي على أعتاب تلك القصور إلى إن لم يبق احد ممن تشوف النفوس إليه».
كل هذه العوامل ملأت نفسه عجبا وكبرا، فشره إلى غزو مملكة سغاي بعدما هادن الأتراك بالمغرب الأوسط وابعد عن ثغور بلاده سيطرة البرتغال، وكان لابد للمنصور من انتحال سبب للهجوم على الإمبراطورية السودانية، فوجده في المطالبة بمناجم تغازي للمحل. وهي مناجم تقع شمال الصحراء الغربية وكانت خاضعة لنفوذ آل سكية يستغلونها لمصلحة دولتهم.
والغالب أن المنصور إنما جعل هذه المناجم ذريعة للهجوم على السودان. فلم تكن هذه المناجم شيئا يذكر حتى تستوجب تلك الحرب الضروس وما اقتضته من استعدادات هائلة. فلقد كتب ابن بطوطة عن مناجم تغازي، وقد زارها قبل: «وصلنا إلى تغازي ... وهي قرية لا خير فيها. ومن عجائبها أن بيوتها ومسجدها من حجارة الملح وسقفها من جلود الجمال، ولا شجر بها. إنما هي رمل فيه معدن الملح يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نحتت ووضعت تحت الأرض .. وبالملح يتصارف السودان كما يتصارف بالمذهب والفضة يقطعونه قطعا ويتبايعون به».
وأطنب ابن بطوطة في تحقير هذه القرية، فبين أن ماءها زعاق وان الذباب والقمل يكثر بهان مما يجعلنا نشك في أن جب تملكها هو الذي دفع المنصور إلى غزو سغاي، والراجح انه إنما هجم على هذه المملكة لما كان يوثر عن غناها وما بها من معادن الذهب.
في سنة 1545 بعث السلطان احمد المنصور إلى صاحب سغاي وكان اسمه إذ ذاك سكيه إسحاق بخطاب يطالبه فيه بمعادن تغازي. فأجابه- على ما قيل- بكتاب ورد فيه ما مفاده: «حاشا أن يكون احمد المنصور الذي عرض على هذه العروض هو إمبراطور المغرب، وحاشاني أن اقبلها. فإسحاق الذي سيقبلها لم ولد بعد». وقيل كذلك أن إسحاق أمر ألفا من تواركة بنهب ناحية درعة من إعمال المغرب على سبيل التخويف ثم العودة إلى الصحراء.
على أن احمد المنصور لم يقم برد فعل عاجل. ومات إسحاق وخلفه سكيه داود.
وروى صاحب الاستقصاء قصة الغزو كاملة فذكر أن المنصور كاتب صاحب مملكة كاغو بعد أن استفتى العلماء فأفتوه بان «النظر في المعادن مطلقا إنما هو للإمام لا لغيره» فطالب المنصور سكيه إسحاق بان يدفع مثقالا من الذهب لكل حمل من الملح يدخل إلى السودان لستعين بهذا الخراج على جهاد الكفار.
ومن المفيد أن نذكر ما رواه صاحب الاستقصاء حول استفاء المنصور للعلماء وما أجابوه به:
قال لهم المنصور «إني عزمت على منازلة أمير السودان صاحب كاغو وبعث الجيوش إليهم لتجتمع كلمة المسلمين وتتحد الرعيةـ، ولان بلاد السودان وافرة الخراج كثيرة المال ويتقوى بها جيش الإسلام ويشتد ساعد كتبته، مع أن صاحب أمرهم والمتولي