والجيش والشرطة لضمان حسن تمشيها. وأصلح الجيش فجعل منه محترفين يقتصر دورهم على حماية الدولة وقسم العساكر حسبما تدعو إليه مصلحتها وجهزهم بآلة الحرب والعدة المعروفة إذ ذاك، ثم جعل منهم حاميات وزعت على أهم العملات للمحافظة على الأمن.
ومن الناحية الاقتصادية اتخذ سكيا محمد تدابير شجعت على تنشيط التجارة وازدهارها، ووحد المقاييس والموازين وضرب بيد من حديد على ضروب الغش. وقسم الضرائب حسب الدخل العادي لكل فرد. وازدهرت التجارة بالأخص مع المغرب ومصر وطرابلس. وكانت التجارة الخارجية وقفا على ثلاث مدن في المملكة هي: تونبوكتو، وكاغو، ودجينى. وكانت أوسع المدن حضارة وأكثرها تقدما كما سنرى بعد.
وقد كانت الحركة الثقافية والعلمية تواكب الحركة الاقتصادية. فكانت لا تخلو قافلة واردة من الخارج من فقهاء وعلماء يتوزعون على أهم حواضر الإمبراطورية للقيام بالتدريس، وكانت المؤلفات تجلب من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي.
واستقدم الملك سكيا محمد عدة علماء اناطبهم وظيفة التدريس، فامتلأت جامعة تنبوكتو ومدارسها التي كانت تبلغ 150 في ذلك العهد بالطلبة من جميع جهات إفريقيا. واختار الملك مستشاريه من الفقهاء، وكان لا يتأخر عن مراسلة العلماء بفاس وغيرها في كل نازلة أشكلت عليه.
وتوجه إلى الحج صحبة ثمانمائة من دائرته، فاجتمع بالعلماء ومن بينهم السيوطي.
هذه نظرة عن النظام الذي أحدثه الملك سكيا محمد. ولم تبلغ إمبراطورية بإفريقيا ما بلغته إمبراطورية سغاي في عهده، لا من ناحية اتساع الرقعة أو النظام والتقدم المادي والعمي. لقد كانت الإمبراطورية تحد في الشمال بمناجم تغازي للمحل وتضم قسما عظيما من الصحراء الغربية وساحل العاج جنوبا، بينما يحدها البحر الأطلسي من المغرب وشمال نيجريا من الشرق. وإذا أردنا أن نتكلم بالاصطلاحات العصرية فان مملكة سغاي كانت تشمل قسما كبيرا من صحراء الجزائر وموريتانيا ومالي والسنغال وغينيا و يبراليون وفولتا العليا والنيجر وشمال نيجريا.
وان ما يبعث على الإعجاب أن هذه الإمبراطورية على اتساع حدودها كانت تعيش في نظام وهدوء ورفاهية قلما كانت تتمتع بها دول في ذلك العصر.
ولقد خلف ليون الإفريقي ومحمد كوتي وكلاهما شاهد عظمة مملكة سغاي في عهد سكيا محمد صفحات تشهد بعظمة هذه الدولة وتدل على ما بلغته من درجة عالية في التقدم. وليس هنا محل تفصيل مظاهر رقي هذه المملكة الإسلامية التي تنشأ في أعماق القارة السوداء وأعطت الدليلي القوي على عبقرية بناتها، فكانت ولا تزال مفخرة إفريقيا السوداء.
لقد كانت إمبراطورية سغاي مليئة بالحواضر والقرى، فلا تكاد تفصل المدينة والأخرى مسافة بعيدة، ولكن أهم مدنها- كما تقدم- هي دجيني، وتنبوكتون وكاغو. وقد يطول ذكر نما بلغته هذه الحواضر من تقدم، وما كانت عليه نمن رقي. فيكفي أن نذكر بأنها كانت مدن لعم وثقافة زيادة على ما كان لها من نشاط تجاري ممتاز يربطها بأهم عواصم الدنيا. وقد بلغت الحياة الفكرية في هذه المدن وخاصة في كاغو وتنبوطكتو درجة يمكن أن تقارنها نسبيا بما وصلت إليه هذه الحياة في بعض عواصم أوربا اليوم.
وناهيك يتونبوكتو التي كانت توأمة لفاس ومراكش لا ينقطع التيار الفكري بينها. وقد وصفها المؤرخون وتغنى بها الشعراء وخصها الكتاب من أمثال السعدي واحمد بابا والحسن الوزان بصفحات مفيدة. وقد أنجبت هذه المدينة مآت الفقهاء والعلماء الأجلاء في كافة أنواع المعرفة التي وصل إليها الفكر البشري آنذاك.
هذه نظرة موجزة عن إمبراطورية سغاي التي ظلت في أوج العظمة أزيد من قرنين قبل أن تغير عليها يد الدهر. ورغم أن خلفاء سكيا محمد توري لم يبلغوا مقامه في الدهاء والسياسة والتبصر، فان الإمبراطورية ظلت راسية على قواعد متينة وبقي أهلها في بحبوحة من العيش إلى أن برزت الأطماع وتعرضت لغزو لا قبل لها به، فسقطت هي الأخرى ضحية التوسع والطغيان.