تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استقصار الوارد عن الرسول الأعظم أعطاها لقب (المنهل الوارد في تفضيل الوارد) وهي طافحة بالبيانات التقديرية لأذكار الرسول صلوات الله عليه في تأييد بعضها من ىي الوحي المبين مثل قول الله تعالى: (وله الأسماء الحسنى فأدعو بها، وذروا الذين يلحدون في اسمائه) وقوله: (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ولا نذهب بعيدا عن فهم أفكاره تلقاء حملاته الشعواء على رؤوس الغواية- إذ لم يكن متطرفا فيها، ولا في حربه متعسفا، بل كان يقف في وجهته الإصلاحية موقف المتبصر المعتدل- يميز الخبيث من الطيب، والرديء من الجيد، فقد شاهدنا له مواقف دراسية حول الغزالي وأفكاره الفلسفية والمنطقية في تهافت الفلاسفة، ومعيار العلم يعرضها للبحث، وبعضها على محك الدرس والنقد لافتا نظره صوب ما كتبه نقاده، وما حاولوه بمعاولهم الهدامة من إسقاط شخصه الفلسفي، قائما مقام الموفق بين آراء المنتقد وناقديه بما يخلق من الموقف انتصارا لجانب فيلسوف الإسلام الغزالين وبنفس الظاهرة نجده كذلك بذود عن فلسفة ابي الوليد بن رشدن وتصويب حكمته، ودراستها بالطرق القانونية والأساليب الفنية لحد الإعجاب بآرائه، والاستشهاد بمقالاته والعكوف على فهم كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) كما كان يفعل المستشرق ارنست رينان الذي افرد الفيلسوف ابن رشد ببحث خاص ومن بين سطور هذه الدراسات العميقة يتخلص لأفكار الشيخ الأكبر محللا غموض عبراته المشككة، وأساليب المعقدة، وفهومه الخاصة في_الفتوحات والفصوص) إذ يبسطها بسطا يرى فيه منغمرا في أذواق الشيخ ونزعاته الصوفية سابحا في بحر خياله المتموج أملا بلوغ شاطئ النجاة حيث الملتمس المنشود، ورغم هذا النصب الثقيل يبقى في قرارة النفس شيء من تلك الدراسات النفسية وبالأخص عندما تبدو للدارس أعلام عالم النفس والروح فيعود من هذا المبدأ حامدا سلامة الإياب مؤمنا ببعض، متوقفا في بعض.

ويود الكاتب لو شارك لقارئ في حقل من حلقات المترجم أيام كان يدرس شفاء عياض سنة 1346 هـ موافق 1927م بمناسبة بزوغ هلال ربيع النبوي- فيرى كيف كان يحط رحاله ويتصدى لديباجية الشفاء العامرة.

كلهم حاولا الدواء ولكن ما أتى بالشفاء إلا عياض

فيعرض فيها لآراء القوم وأفكارهم الصوفية بينا تجده محلقا في سماء الولاية مبددا سحب الأوهام والخرافات إذا بك تلفيه منتقلا إلى مقام الصديقية، ثم منها إلى منبر الوحي والنبوءة في نظام تعلوه مسحة حال في جلد وقوة.

وان انس فلا أنسى مسامرته القيمة حول (فخر الدين الراوزي) بمعهد الدروس العليا بالرباط سنة 1943 م موافق 1362هـ ثاني عيد المولد النبوي تحت رئاسة صاحب السمو الملكي المولى الحسن مسامرة ممتعة برهن فيها الشيخ عن مقدرة فائقة في كيفية العرض والبحث على نسق ما يطرقه علماء الاستشراف في أبحاثهم العلمية ودراساتهم الواسعة تحليلا واستنتاجا اندهش لهما الحاضرون- في تقدير وإعجاب إذ حلل شخصيته تحليلا عميقا حتى ما ترك منقبة من منافيه أي ونشرها خصوصا ما يمت منها إلى الفلسفة والنفس بسبب، ظاهرة حفزت فدماء الثانوية الادريسية لطلب الشيخ في إلحاح إعادة مسامتره الفخرية بنادي المسارمات بفاس الفيحاء، وما كان منه سوى أن لب الطلب العلمي على عادته مما جعل له في الأوساط العلمية والأدبية صدى حميدا وأثرا خالدا.

ومن هذه النبذة الخاطفة نتبين في وضوح ما كان لعمليته المتينة من الميل الطبيعي لدراسة الفلسفة وعلوم النفس والعطف الخاص على كل علمائها الودود بقارع الحجة عن آرائهم المستقيمة وابتكاراتهم الصائبة في تأييد من الكتاب والسنة ما وجد لذلك سبيلا.

علاوة على ما كان لاطلاعه الواسع في العلوم الدينية والأدبية والرياضية وسوها من المشاركة الكافية التي كونت من شخصيته مثال العبقري النادر، يطرق الفن فيهضمه هضما ويركب صعبه فينقلب عن كثب سهلا ذلولا، ومتى ما اعتصت عليه بعض جزئياته، ووقفت تجاهه موقف الأشكال- قام قومه الصنع اللبق لحلها مبددا غيوم الهوس والشك المساورين مندفعا لوضع جزء خاص حول المشكلة، وكمله في هذا النوع من جرات لا نرتاب أن تكون نتيجة الشك. وفي المثل (أهتك ستور الشك بالسؤال) ولا يعزب عن بال المطلع، أن الشك أساس اليقين، ومن لم يشك لم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٠٤