تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يؤمن، فالشك عنصر من عناصر الدقة، وسلم الاستطلاع والوقوع على الحقيقة، وبالصدف عن فكرة الشك ينشأ الرضى بالتقليد وينطبع في النفس الميل إلى التواكل، والخمول، وما إليهما من صفات الخنوع القاضية على حرية التفكير وانطلاق الضمير.

ما عاش من عاش مقيدا- ولا ننسى دروسه التفسيرية التي كان يبعثها على جناح الأثير المغربي في ثاني الربيعين من سنة 1360هـ بطريقة الاختيار لأي من الذكر الحكيم تارة في الأحكام وأخرى في القصص وآونة في الكون والطبيعة، ففي التشريع ينشر آراء الأئمة ومذاهبهم في كل فرع والإدلاء بكل من النصوص القائمة والحجج الناهضة دون أن ترى له تحزبا لمذهب أو تعصبا لنحلة ولو مذهبه المالكي، إنما الحكم العدل والفيصل الحق لقوة الدليل ونهوض الحجة.

أما القصص فكان يبسطها متلمسا من ثناياها الحكمة والعبرة، وما كان أحب إليه حديث القصة وألذه إليه حيث يعيره التفاتا خاصا واهتماما غريبا يستوحي من بين سطوره مثلا عليا، واختلاقا فاضلة يكون لها حميد الأحدوثة في نفوس المستمعين وعلى الأخص منهم النشء الثابت الذي تعد القصة مناهم العوامل الناجحة في توجيهه الخلقي والثقافي، وما انفكت تلك الدروس التفسيرية لسورة يوسف عليه السلام مرتسمة بالأذهان لما كان لها في القلوب من الواقع الحسن والعظة المؤترة- كتفسير قول الله تعالى (فان كان قميصه قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين وان كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) وقوله: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم) وقوله (كذلك كدنا ليوسف) ومن عبقريته، انه كان لا يقف في تقاريره العلمية موقف الحاكي بجلب نصوص الكتاب والمفسرين ويعرضها عرضا جافا دون أن يكون له حظ الأخذ والرد بل والتوليد والابتكار في غير ما فن. ولمجهود باشا البارودي:

لولا مواهب في بعض الأنام لما تفاوت الناس في الأقدار والقيم

وها هو يقول أثناء محاضرته الثانية (أن من أنواع الأساليب اللفظية المتعددة- أن يوجد خلال فواصل الآي المقفاة فواصل أخرى مغايرة للفواصل التي بينت عليها السورة، وهو نوع على نهجه بنى التوشيح، وعلى وثيرته ارتكز أسلوبه، لم أجده منصوصا لغيري، وإنما وفقت إليه) ولا بدع أن يلهم شيخنا السائح لابتكار هذا النوع الفظي البديع الذي يسمح لشخصه العالم بوصف العبقرية وانطباقها على مهارته الفنية على رأي كنط الفيلسوف الألماني الذي قال عن العبقري: (انه من عمل شيئا ابتكره ابتكارا، ولم يقلد فيه أحدا تقليدا ويصبح عمله أثرا يتبعه الناس من بعهد) أو رأى مثله من فلاسفة الشرق والغرب ممن وقفت أقلامهم في كلمة (عبقرية) وتحديد مدلولها، وهو السائح ما برج يجلى في حلبة العبقرية ويسمو في أوجها بذكائه الفطري وعقليته الجبارة متابعا البحوث الرامية إلى تحليل الطاقة الذرية والتطلع من بعيد إلى معرفة ذراتها، وبذل الجهد لأدراك كنه ما تناثر من أجزائها، وما تطاير من جواهرها، ومنشأ مفعولها العالمي العام الذي خدر أعصاب حتى مخترعيها وسواهم من عباقرة الدول فغدوا يفكرون في اندهاش لوضعها تحت نير الرقابة تفاديا من شرها المتوقع، ولا ما يدعو إلى الغرابة إذا ما كانت الكلمات تروع وتفزع فيسطو عليها قلم الرقابة ومقراض التحذير والتشويش.

ورغم أن مزايا المترجم أفسح من هذا فنقف القلم قائلين: يكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.

الرباط: عبد الله الجراري

مفتش بوزارة التربية الوطنية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٠٥