دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص65
شخصية ابن عبد الله السائح الرباطي
للأستاذ: عبد الله الجراري
قضى شيخا السائح حقبة ليست بالقليلة في أداء رسالته الثقافية بين قومه ثم مضى إلى حيث يجد ثمرة أعماله الخالدة.
شنشنة الحياة في السير قدما طاوية مراحلها المتقاربة أعمارا وأعمارا، فهل يا ترى يشعر الغافل ويستيقظ الولهان، فينظران بعين ملؤها الأسى والأسف على ارتحال عباقرة، وانتقال نبغاء كثيرا ما تلهف الشعب على تكوينهم، وسعى بصدق في إيجادهم حتى إذا ما لبت الظروف المطلب وأسعف برشحة من رشحاتها الضنينة انقلبت على عاداتها مكشرة فأودت بأعز ما كانت أسعفت به، إنها شخصية عالمة قام المغرب بنافس بها نبغاء المعرفة في الشرق والغرب، شخصية نادرة من وادر الاطلاع، آية بينة من آيات المعرفة- سواء في دروسه التلقينية أو تحريراته العلمية، أو مذكراته الواسعة وأحاديثه الفنية، إذا جلس للدرس تصدى لتحليل موضوعه بطريقة سهلة منتجة مبناها السير والتقسيم، والانتقال من الفظ إلى المدلول ثم منه إلى المراد العلمي، وهو في هذه الأثناء كالطبيب المعالج اسبر غور تلاميذه مستعرضا أقدارهم ونفسية كل على حدة في أسلوب هو إلى الجديد أمس منه بالقديم كطريقة بين الطريقتين يكاد تلميذ المعاهد العصرية لا يميز بين ما نشأ فيه من الدراسات ودراسات المترجم الذي كان في أكثرها يمزج تحليلاته العلمية بنوع خاص من الفلسفة الفنية والتعليلات الصحيحة التي تجعل الطالب القروي كغير مؤمنا في اطمئنان بما يدرس من مسائل العلم لا سيما المشكل منها. إذ كان في تقريراته العلمية، ورجل الكشف والتنقيب عن مخبئات العلم ومكنوناته إزاء أسرار تشريعية تبعث بطبعها في التلميذ الولوع روحا جديدا يكون منه جوا صافيا للكرع من ينابيع المعرفة في هدوء.
فكان ينشئ تلامذته على الفهم والإدراك، مربيا في روعهم ملكة الأخذ، وكيفية البحث والاستطلاع سواء في فروع العلم أو أصوله، وهذا ما نصبو إليه، ونود بملء قلوبنا من رجال المعرفة لو ينهجون نهجه ويسلكون محجته لبناء صرح جديد في أجواء التكوين الصحيح، إذ نحن أحوج في عصرنا المائل إلى هيئة عالمة تحمل مشعل التكوين المنتهج بخلق أساليب يشع نبراسها على المعارف هنا وهناك على المنهج الذي كان ينسج على منواله الشيخ السائح سائرا بخطا واسعة على افريزه حاملا لواءه الخفاق مشيدا بإنتاجه في شتى المناسبات وأكثر الأحاديث التي كانت تنبعث من أعماق شخصه المهيب، وجده المتزن وطبعه اللين ومبدئه الثابت يجنح إلى السلفية مترسما محجتها البيضاء، ذائدا بكل ما أوتي من جهود عن مذاهب أهل السنة في كفاح مستمر، وجهاد متواصل.
فيا خيبة من بدا بمظهر البدعة ومنظر الشعوذة والتدجيل فهناك يتجلى غضب الأستاذ وحنقه وقد زوى وقطب ما بين عينيه مفوقا سهامه الصائبة لجامعات التضليل والتهريج، باعثا الحجة تلو الحجة حتى تراهم وقد اندحروا منهزمين زرافات ووحدانا خصوصا من تقمص منهم بسربال التصوف والكاذب، وتجرد للخداع في ستار مموه أو سجاف مبرقش لاقتناص البسطاء، والإيقاع بالضعفاء، وحرصا منه على خدمة السنة وتنوير الأفكار، حبر رسالة تحدث فيها عن أدعية وأذكار بعض المتصوفة داحضا فيها دعاويهم العريضة ومبارياتهم المغرضة التي تتم عن