ومتع الطرف في مرآي محاسنه *** وروض الفكر بين الروض والنهر
وانظر إلى ذهبيات الأصيل بها *** واسمع إلى نغمات الطير في الشجر
وقل لمن لام في لذاته بشرا *** دعني فانك عندي من سوى البشر
وقال فيها أيضا:
أما دمشق فجنة *** ينسى بها الوطن الغريب
لله أيام السبوت *** بها ومنظرها العجيب
انظر بعينك هل ترى *** إلا محبا أو حبيب
في موطن غنى الحمام *** به وعلى رقص القضيب
وغدت أزاهر روضة *** تختال في فرح وطيب
وأهل دمشق لا يعلمون يوم السبت عملان إنما يخرجون إلى المنتزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار بين البساتين النضيرة والمياه الجارية فيكون بها يومهم إلى الليل، وقد طال بنا الكلام في محاسن دمشق فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله ... انتهى كلام ابن جزي .. أقول: وإنما كتبت هذا الفصل على طوله ليعرف القارئ مدى تأثير ابن جزي في كتابة الرحلة وكيف أخرجها من كتاب تسرد فيه الحوادث إلى كتاب أدبي يستمع القارئ بطرفه وملحه ويستلذ بدرره ومنحه. وليت ابن جزي عاش مدة طويلة بعد كتابة الرحلة ليرى بنفسه الأثر الحميد الذي حققته هاته الرحلة الطريفة، فهو قد التحق بربه بعد ثمانية أشهر من كتاباتها وهو في سن مبكرة فقد توفي بفاس في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال سنة 757هـ، ودفن وراء الحائط الشرقي للجامع الأعظم بالمدينة البيضاء (فاس الجديد).
هذا واني أرى من المفيد بعد أن درسنا الجانب السياسي والأدبي في كتابة الرحلة أن أقدم للقراء عرضا موجزا للمشاهدة العامة التي خلدت برحلة ابن بطوطة وصاغها ابن جزي بأسلوبه الجميل وذلك هو موضوعنا في حديث آخر.
فاس: محمد بن عبد العزيز الدباغ