تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين قالوا: «أن بواعث الشعر قد محيت من الوجود» قال بان الصباغ العقيلي معلقا على هذا البيت (*): ما أبدع تخلصه للمدح وأطبعه، فانه أشار إلى قول الشاعر رادا عليه بالتبكيت ومعلقا عليه بالتعنيت:

قالوا تركت الشعر قلت ضرورة *** باب السماحة والملاحة مغلق

مات الكرام فلا كريم يتجى *** منه النوال ولا مليح يعشق

واستمر في مدح الملك بعد ذلك وهنا اظهر فنه المعهود وأصبح في شعره شبيها لبابي تمام الذي كان لا يصوغ الشعر إلا بعد التزين بالمحسنات اللفظية والمعنوية، ألا ترى إلى قوله:

ملك البأس والندى فهو بالسـ *** سيف وبالسيب عائث أو غائث

انه في هذا البيت أتى بمقابلة بين صفتين يمتاز بهما أبو عنان وتعتمد في التعبير عنهما جناسا بين السيف والسيب وبين كونه عائثا وغائثا. ثم سما شعره حين قال في وصف الملك:

محرز المجد والثناء فهذا سائر في الورى وذلك لابث

إن القارئ يشعر في هذا البيت بقوة شعرية استطاع بها ابن جزي أن يعبر عن هذا المعنى الطريف بهذا النوع من الإيجاز، انه ليس هناك في المدح للملوك أعظم من مجد لابث لا يفنى ولا يزول، ومن ثناء سائر في الورى تتناقله الأجيال وتتحدث عنه الألسنة لا يجد بصقع ولا توقفه الحدود.

ولقد أحسن شاعرنا حينما كان يصف الخيل والفرسان والسيوف، وهو حينما أراد أن يعبر عن حدة هاته شبهها بحدة ذهن أبي عنان، وبذلك شبه المحسوسات بالمعاني اعتبارا منه بشهرة ذكاء أبي عنان في كل مكان.

والمواضي كأنها قد أعيرت حدة الذهن منه عند المباحث

ولقد عبر عن الشدة التي تهوي بها السيوف على رؤوس الأعادي بأنها تتقدم إلى الوغى وكأنها الذكور العطائش ولكنها ما تلبث أن تنهل من دماء الأعداء فتعود وكأنها النساء الطوامث.

فيردن الوغى ذكورا عطاشا *** ثم يصدرن ناهلات طوامث

وفي الخاتمة قدم القصيدة وهو مطمئن إليها راض عن صنعها لأنه يعتبر نفسه اشعر أهل زمانه لا يدانيه احد من الشعراء:

زعماء القريض ابقوا بقايا *** كنت دون الورى لهن الوارث

ثم تحدى النقاد الذين يحاولن أن يستصغروا شعره أو يستضعفوا قصيدته قال:

من أراد انتقادها فهي هذي عرضة البحث فليكن جد باحث

أن هاته الثقة التي كان يوليها ابن جزي لنفسه تستمد حصانتها من ثقافته الذاتية، ومن مركزه الاجتماعي، ومن قردته على الإفصاح عن عواطفه بكل دقة وإتقان.

وإنما قدمت للقراء هاته القصيدة ليطلعوا على جانب من جوانب العبقرية في شخصية ابن جزي بالنسبة إلى الشعر، وأما بالنسبة إلى النثر فقد كان مشتهرا به أيضا ولذلك التجأ إليه أبو عنان المريني حينما أراد أن يختار كاتبا لرحلة ابن بطوطة.

وابن جزيي في نثره ينحو منحى إبداء عصره في الاعتماد على السجع في كثير من منتجاته، إلا أننا نراه في الرحلة لم يعتمد ذلك في المقدمة والخاتمة، وأما غالب الرحلة فقد ألفها بنثر مرسل لا تكلف فيه ولا تعمد ولذلك نثره في الرحلة أحسن بكثير منه في غيرها لخلوه من التصنع وبعده عن الإسفاف، والى القراء مقدمة رسالة كتبها إلى أبي عنان المريني يهنئه فيها بابلال ولده وولي عهده أبي زيان من مرضه، وفيها ورى بكثير من الكتب حتى أصبحت الرسالة وكأنها لائحة خزانة عامة:

«ماذا عسى أدب الكتاب يوضح من *** خصال مجدك وهو الزاهر الزاهي

وما الفصيح بكليات موعيها *** كاف فيأتي بأبناء وأنباه

(*) نفح الطيب الجزء الثامن صفحة 45.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٩٩