تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبقى الله تعالى مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى، ولزاهر كماله التاج المحلى تجلى من حلاه نزهة الناظر، ويتضح بهداه القصد الأمم، ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة، ومعونة السعد بإشارته منوطة، وهدايته متكلفة بإحياء علوم الدين وإيضاح منهاج العابدين وإرشاده يتولى تنبيه الغافلين» إلى آخر هاته الرسالة التي يظهر اثر التصنع عليها (*).

ولم يغفل مؤرخو الأدب ذكر هذا الأديب العبقري الذي شاع نبوغه في المغرب والأندلس فقد قال عنه المقري في نفح الطيب (*):انه أعجوبة الزمان، ونقل عنه من كتاب نثير الجمان لابن الأحمر قوله: «وكان رحمه الله تعالى طلع في سماء العلوم بدرا مشرقا، وسارت براعته مغربا ومشرقان وسما بشعره فوق الفرقدين، كما أربى بنثره على الشعري والبطين، له باع مديد في التاريخ واللغة والحساب، والنحو والبيان والآداب بصير بالفروع والأصول والحديث، عارف بالماضي من الشعر والحديث، أن نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيبا بمنصبه ونخوته، وان كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وان انشأ رسالة أنساك العماد بين مساقها وضبطه، وهو رب هذا الشأن وفارس هذا الميدان، ومع تفننه في الشعر فهو في العلوم قد نبغن وما بلغ احد من شعراء عصره ما بلغ، بل سلموا التقدم إليه، والقوا زمام الاعتراف بذلك في يديهن ودخلوا تحت راية الأدب الذي حمل إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس في الحمل».

وإذا كان هذا هو موقف النقاد منه فان اختيار أبي عنان لع إذن كان صادرا عن خبرة ومعتمدا على أساس، وراجعا إلى استغلال هاته الطاقة الأدبية التي كان متصفا بها، لذا عمل ابن جزي جهد مستطاعه ليسير في كتابة الرحلة سيرا موقفا وليكون عند حسن ظن أبي عنان به فنقح العبارات وهذب الألفاظ، واعتمد على بعض النصوص الوصفية التي استعملها بعض الرحالين قبل ابن بطوطة كابن جبير وابن جابر الوادي آشي، ووشى تلك النصوص ببعض الأشعار التي تناسبها، والى القراء أقدم فصلا من الرحلة، فقد ذكر ابن جزي عند التعبير عن وصول ابن بطوطة إلى دمشق قوله (*): «ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين (أي وسبعمائة) إلى مدينة دمشق الشام، فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتتقدمها جمالا، وكل وصف وان طال فهو قاصر من محاسنها، ولا إبداع مما قاله أبو الحسين بن جبير رحمه الله تعالى في ذكرها، قال: «وأما دمشق فهي جنة المشرق، ومطلع نورها المشرق، وخاتمة بلاد الإسلام التي اتسقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلت بأزاهير الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت من موضع الحسين بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بان آوى المسيح عليه السلام وأمه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيى النفوس نسميها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل، وقد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظماء، فتكاد تناديك بها الصم الصلاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، وقد أحدقت البساتين بها أحداق الهالة بالقمر، والإلمام بالثمر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر، ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لاشك فيها، وان كانت في السماء فهي تحاذيها وتساميها. قال ابن جزي وقد نظم بعض شعرائها في هذا المعنى فقال:

إن تكن جنة الخلود بأرض *** فدمشق ولا تكون سواها

أو تكن في السماء فهي عليها *** قد أبدت هواءها وهواها

بلد طيب ورب غفور *** فاغتنمها عشية وضحاها

(*) اقرأها تامة في كتاب نفح الطيب الجزء الثامن من الطبعة الجديدة صفحة 48/ 49/50 وفي أزهار الرياض للمؤلف الجزء الثالث صفحة 198/ 199/200

(*) الجزء الثامن صفحة 41.

(*) رحلة ابن بطوطة طبعة سنة 1320 هـ الجزء الأول صفحة 50.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٠٠