تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا مضيع العهود واله يعفو *** عنك إني ارتضيت خطة ناكث؟

غرني منك والجمال غرور *** وطبا اللحظ في القلوب عوابث

مقل يقسمن أعشار قلبي *** بالرضا مني أقسام الموارث

كيف غيرت بانتزاحك حالي *** وتغيرت لي ولست بحارث؟

فرط حبي وفرط بخلك إلى *** إن عينيك بالفتور نوافث

وندى فارس وحسنك ردا *** قول من قال سد باب البواعث

ملك البأس والندى فهو بالسـ *** ـيف وبالسبب عائث أو غائث

محرز المجد والثناء فهذا *** سائر في الورى وذلك لابث

أوطأ الشهب رجله وترقى *** صاعدا في سموه غير ماكث

فدرار تسرى وما لحقته *** ونجوم خلف القصور لوابث

وله المقربات لا بل هي العقـ *** ـبان من فوقها الليوث الدلاهث

مطلعات منكل نعل هلالا *** فلهذا تجلو دجى كل حادث

إن ترافعن فالجبال الرواسي *** أو تسابقن فالغيوث الحثائث

والمواضي كأنها قد أعيرت *** حدة الذهن منه عند المباحث

هي نار محرقات الأعادي *** وهي ماء مطهرات الخبائث

فيردن الوغى ذكورا عطاشا *** ثم يصدرن ناهلات طوامث

من معانيه قد رأينا عيانا *** كل فضل ينصه من يحادث

خلق كالنسيم مر سحيرا *** بالأزاهير في البطاح الدمائث

في سبيل الإله يقصي ويدني *** ويوالي في ذاته ويناكث

شرف الملك منه سام وحام *** ففدته سام وحام ويافث

هاكها من بنات فكري بكرا *** ليس يسمو لها من الناس طامث

ذات لفظ لا يعتريه اختلال *** ومعان لا تنتحيها المباحث

زعماء القريض ابقوا بقايا *** كنت دون الورى لهن الوارث

من أراد انتقادها فهي هذي *** عرضة البحث فيلكن جد باحث

إن هذه القصيدة تظهر منهج ابن جزي في شعره، فهو جزل الألفاظ متين العبارة، قوي الخيال يعتمد على التزيين والصنعة في كثير من أبياتهن ويتصرف في أنواع البديع من جناس وطبقا ومقابلة، ويسير على نهج القدماء في حسن المطلع وحسن التخلص وحسن الخاتمة، لذلك نراه ابتدأ قصيدته بالغزل وصور في مقدمتها عبث المحبوب بقلبه وكيف افقده المقاومة لأنه أصيب بسهام من مقلتيه حتى إذا أراد أن يسلو عنه وجد من حسنه ما يدعوه إلى الحنث:

ومين اليتها بالتسلي *** فقضى حسنه باني حانث

وفي هاته المقدمة يتناول إلى حكم القضاء ويتعرف بأنه ليس وحيدا فيما يقاسيه ويستغل في التعبير عن ذلك بعض ألوان البديع فيقول:

لست وحدي أشكو بلية وجدي أن داء الغرام ليس بحادث

حتى إذا انتهى من الغزل تخلص إلى المدح بقوله:

وندى فارس وحسنك ردا *** قول من قال سد باب البواعث

وفي هذا التخلص اظهر الدواعي التي تبعث الشاعر على التنغم بشرعه وتحرك فيه جذوة العاطفة فيصرها أبيات ناطقة بما يكنه في الفؤاد.

أن هاته الدافع ترجع إلى صفتين لماعتين: أما الأولى فالكرم وقديما قالوا: اللهي تفتح إلها، وأما الثانية فالجمال، وشاعرنا يفيض شعرا لأنه يستمتع بالعاملين معا فأبو عنان منبع الكرم، وعشيقه منبع الجمال ولذلك انطلق لسانه بالشعر، ورد على

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٩٨