وأما أخوه الثاني فهو أبو محمد عبد الله بن جزي الذي يقول:
لقد قطعت قلبي يا خليلي *** بهجر طال منك على العليل
ولكن ما عجيب منك هذا *** إذ التقطيع من شأن الخليل
ومما لا ريب فيه أن هذا الإطار العلمي والأدبي قد اثر فيه وصهره وجعله يسير على نسق أهله في النثر والشعر فبرع في الصناعتين، وتصدر لقرض الشعر يمدح به ملوك بني الأحمر النصريين خصوصا سابع ملوكهم أبا الحجاج يوسف ابن إسماعيل، ولكن علاقته بهاته الدولة قد انفصمت بسبب الاهانة التي مني بها من لدن أبي الحجاج فقد ضربه سياطا، ولا لذنب اقترفه، ولا لمخالفة ظهرت منه، ونما ليطمئن بعد ذلك إلى محبته إذا ما استمر على الاتصال به بعد هذا الامتحان، ولكن ليس من المعقول انم يرضى ابن جزي بهذه الاهانة العظمى وهو الذي هيأه أبوه على الأنفة وعلمه التضحية وحبب إليه شرف النفس، فرحل من غرناطة واقبل على فاس تلك المدينة التي كانت تضم حينذاك أشهر العلماء وترحب بهم من كل جانب، فان ملوكها المرنيين كانوا يعملون جهد إمكانهم على نشر الثقافة وإحيائها، ولذلك ازدهر الأدب المغربي حينئذاك لأنه أصبح متصلا بالأدب الأندلسي وتظاهر بعضه ببعض، وأصبح الأدباء يعملون من اجل تحقيق غاية هاته الدولة المهتمة بهم والعاكفة على حماية الثقافة من الانهيار خصوصا بعد ما أصبحت الأرض الأندلسية مهددة من قبل الاسبانيين ومشرفة على الهلاك والانقراض بسبب ظلم النصريين بني الأحمر الذين كانوا يتآمرون على المصالح العليا للمسلمين ويؤازرون الدولة الاسبانية أحيانا خوفا من سلطة المرنيين، وبذلك كانوا ينتحرون ويقضون على ما تبقى من الدولة الإسلامية بالأندلس وهذا هو السبب الذي جعل نهاية الأندلس تكون في عهدهم وعلى يدهم.
فبنو الأحمر كانوا يستهترون بالحكم ويتنافسون واجبهم كملوك للمسلمين، وإلا كيف يبيح ملك لنفسه أن يقوم بضرب رجل عالم أديب ليطمئن إلى إخلاصه إذا ما ستمر على الاتصال به بعد هاته الاهانة، أنها لمجازفة بالقيم الروحية وبالكرامة العلمية وهو ظاهر يتجلى فيما يقوم به هؤلاء النصريون من أعمال جائزة، ولكن المغرب قد هيأ نفسه ليكون ملجأ لهؤلاء العلماء يحميهم من هذا الاستهتار بالقيم ويعينهم على نشر أفكارهم، ويشجعهم على التأليف، والتعليم، ويقدم إليهم المناصب الكبرى في الولاية، ولذلك وجد انب جزي فراره من أبي الحجاج يوسف ابن إسماعيل في أبي عنان خير خلف، فلولاه كتابة الدولة. ومن المعلوم أن وظيفة الكتابة كانت مناهم الوظائف التي لا تسند إلا لذوي العظمى في كثبر من المواد العلمية، ولا يرشح إليها إلا الأدباء حتى أصبحت الكتابة تحتاج إلى نظام خاص والى قدرات سجلها عدد من المؤلفين في كتبهم، وخير مثال لذلك كتاب (صبح الأعشى في تعليم الإنشاء) للقلقشندي.
ولما وجد ابن جزي من أبي عنان حسن الاستقبال طابت نفسه إليه، وشحدت قريحته وأصبح شاعرا من شعرائه يمدحه في كل المناسبات ويبدع في المديح.
ولا باس أن نورد هنا قصيدة من قصائده يمدح بها أبا عنان المريني لنعرف مقدرته على التعبير، وقوته في التصوير وولعه بالجناس واعتناءه بالبديع شأن معاصيره قال:
إن قلبي لعهدة الصبر ناكث *** عن غزال في عقدة السحر نافث
أضرم النار في فؤادي وولى *** قائلا لا تخف فاني عابث
ورماني من مقلتيه بسهم *** ثم قال اصطبر لثان وثالث
كم عذول أتى يناظر فيه *** كان تعذاله على الحب باعث
ويمين آليتها بالتسلي *** فقضى حسنه باني حانث
جبر الله صدع قلب عميد *** صدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروق ويرى *** عن نسيم الصبا ضعيف الاحادث
سلبته الأشجان إلا بقايا *** من أمان حبالهن رثائث
وبكاء على عهود مواض *** ملأت صدره هموما حدائث
لست وحدي أشكو بلية وجدي *** إن داء الغرام ليس بحادث