فهذا الشعر اقرب إلى المنظومات الفقهية منه إلى الأدب.
وليس يعتبر ضعف الأسلوب الأدبي عند ابن بطوطة تنقيصا لقدرته العلمية فإننا إذا استقرينا حياته في رحلته نجده قد كان مولوعا بالفقه والحديث والتصوف، حريصا على اكتساب المعرفة، لا يزور مدينة إلا ذكر علماءها وفقهاءها وصلحاءها وأساتذته بها، فهو قد سمع في دمشق صحيح البخاري وأجازه بها عدد من العلماء والعالمات، كما سمع بغداد مسند الدارمي، واتصل بعدد كبير من العلماء بمكة وغيرها من المدن زيادة على انه لم يخرج من المغرب إلا بعد أن درس القرآن وكتب الفقه المالكي بدليل توليه القضاء بمجرد وصوله إلى تونس حين ابتداء الرحلة، ولعله كان له إلمام بسير القضاء نظرا لاهتمام أسرته بذلك، فقد حكى كما تقدم أن القضاء شغله وشغل آبائه، فأسرة ابن بطوطة يمكن أن نعتبرها أسرة القضاء وقد ذكر هو بنفسه حين زيارة مدينة رندة بالأندلس انه زار قاضيها وهو ابن الفقيه أبو القاسم محمد جبن يحيى ابن بطوطة.
فابن بطوطة إذن كانت دراسته الإسلامية مقتصرة على الجانب العلمي ولم تكن مزيجة بالأدب مما جعل منهجه في الكتابة بعيدا عن منهج الأدباء، وهذا هو السبب الذي دعا أبا عنان إلى إصدار أمره لابن جزي بكتابة الرحلة، فقد قدمت في بحث سابق أن إصدار الأمر يرجع إلى سببين: أما الأول فسياسي وقد بينت ذلك عند الحديث عن بني مرين من خلال رحلة ابن بطوطة، وأما السبب الثاني فأدبي محض يرجع إلى هلهلة أسلوب ابن بطوطة والى القوة الأدبية التي حظي عليها ابن جزي.
وكأني بالقارئ بعد تتبع مجرى الحديث عن هذا الارتباط الموجود بين ابن جزي ورحلة ابن بطوطة سيسأل عن ابن جزي هذا، وعن قدرته الأدبية التي كان متصفا بها، وعن مدى تأثيره في تدوين الرحلة.
أما بان جزي فهو أبو عبد الله بن أبي القاسم محمد بن احمد الكلبي الذي يرجع نسبه إلى بيت بني جزي الشهير بالمغرب والأندلس. ولد سنة 721هـ بمدينة غرناطة مقر الدولة النصرية آنذاك وعصارة حضارة العرب بالأندلس، ومجمع العلماء والأدباء ومركز الثقافة والعرفان، فنشأ وتربى في أحضانها وأفاد من نشاطها العلمي، وأعانه على ذلك وجود أسرته التي كانت مولعة بالأدب ولوعا عظيما، ومهتمة بالثقافة الإسلامية اهتماما بالغا، ويكفيك دليلا على ذلك أن أباه هو أبو القاسم محمد بن احمد بن جزي الكلبي الذي اشتهر في غرناطة وتولى الخطابة بمسجدها الأعظم على حداثة سنه وألف كتبا متعددة في الفقه والأصول والقراءاتـ، وهو صاحب كتاب القوانين الفقهية الشهيرة، مات شهيدا بجزيرة طريف سنة 741هـ.
ولم يأخذ العلم عن أبيه فقط فقد كان له إخوان مشتهران في عالم الأدب والشعر، أما احدهما فهو أبو بكر احمد الذي كانت له مشاركة في كثير من العلوم وهو الذي صدر إعجاز قصيدة امرئ القيس تصديرا بديعا فيقول:
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي *** (إلا عم صباحا أيها الطلل البالي)
أما واعظي شيب سما فوق لمي *** (سمو حباب الماء حالا على حال)
أنار به ليل الشباب كأنه *** (مصابيح رهبان تشب لقفال)
نهاني عن غي وقال منبها *** الست ترى السمار والناس أحوالي)؟
يقولون غيره لتنعم برهة *** وهل يعمن من كان في العصر الحالي)
أغالط دهري وهو يعلم أنني *** كبرت وإلا يحسن اللهو أمثالي)
إلى نهاية هاته القصيدة التي أرى من واجب القراء أن يرجعوا إلى أصولها ليدرسوها. (*)
(*) نفح الطيب للمقرئ الجزء الثامن من الطبعة الجدية التي حققها وعلق عليها الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد صفحة 32 - وكتاب أزهار الرياض لنفس المؤلف مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر الجزء الثالث صفحة 182.