دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص57
ابن جزي كاتب رحلة ابن بطوطة
للأستاذ: محمد بن عبد العزيز الدباغ
لا يليق بالذين يكتبون عن رحلة ابن بطوطة أن يهملوا الحديث عن كاتبها أبي عبد الله بن جزي الأندلسي لان إهمال الحديث عنه يكون مضيعة لعمل جليل قام به، ومحوا لتعاون أدبي صادق كان موجودا بين المغرب والأندلس في عهد المرينيين.
فابن جزي هذا هو الذي طبع رحلة ابن بطوطة بطابع الادب في كثير من فصولها، وجعلها بعيدة عن الاسفاف في التعبير، والضعف في التوثير، لأنه كان يمتاز بسعة ثقافية ترصيفه للمعاني بألفاظ بديعة وجمل رفيعة لا تعقيد فيها ولا غموض، وهو الذي بفضله أصبحت هاته الرحلة نموذجا أدبيا خالدا يصور عصرا من عصور الازدهار المغربي في العلم والأدب، لأنه استغل في تأليفها كل طاقاته الأدبية حتى اكتسبت بفضله الخلود وذلك أمر طبيعي، فالأدباء هو أقوى على تخليد اتل مرئيات والصور من غيرهم، وهم اقدر على التعبير عن المعاني بأساليب جذابة تستهوي القارئين وتستميلهم إلى الاستزادة من الاستطلاع.
وحيث إن رحلة ابن بطوطة كانت تسجل مشاهدات مختلفة، ومرئيات متعددة، وتتحدث عن آثار ملوك ودول وتصف مسالك وممالك، وتعبر عن الحياة العامة لكثير من المجتمعات والعوائد، وتعلق على كثير من الأحداث السياسية العامة، فانه كان من الضروري أن يستعان في التعبير عن هاته الرحلة بأديب له القدرة على التصوير يجعل من الحوادث صورا ناطقة تشوق القارئ إلى مشاهدة تلك الأماكن نفسها.
وإنما كانت هاته الاستعانة ضرورية، لان ابن بطوطة لم يكن أديبا وإنما كان رجلا فقيها، وهو بنفسه يعترف بذلك فقد خيره يوما ملك الهند بين الوزارة، والكتابة، والقضاء، والمشيخة، فقال (أما الوزارة والكتابة فليست شغلي وأما القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي) (*) وإنما فضل القضاء على الوزارة والكتابة لأنه يعرف مقدرته في الفقه الإسلامي ويعلم أن هاتين الوظيفتين تحتاج إلى متانة في الأسلوب وعلم بالأدب.
والحقيقة أن أسلوب ابن بطوطة كان ضعيفا ويظهر ذلك من بعض الفصول التي لم تهذب وفي بعض الأشعار التي نظمها وذكرها في رحلته، فاسمعه مثلا يمدح ملك الهند أبا المجاهد محمد بن تغلق (*)
إليك أمير المؤمنين المبجلا *** أتينا نجد السير نحوك في الفلا
فجئت محلا من علائك زائرا *** ومغناك كهف للزيارة أهلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة *** لكنت لأعلاها إماما ومرئلا
فأنت الإمام الماجد الأوحد الذي *** سجاياه حتما أن يقول ويفعلا
ولي حاجة من فيض جودك ارتجي *** قضاها وقصدي عند مجدك سهلا
أأذكرها أم قد كفاني حياؤكم *** فان حياكم ذكره كان أجملا
فعجل لمن وافى محلك زائرا *** قضا دينه أن الغريم تعجلا
(*) رحلة ابن بطوطة طبع سنة 1322 هـ الجزء الثاني صفحة 81
(*) نفس المصدر صفحة 3.