لا مراء في أن معرفتنا لفولكنر تستدعي معرفتنا لجنوب الولايات المتحدة حيث نلاحظ أن من العسير على المرء هناك أن يتجاوز البيئة إلى احتضان العالم. إن حالة فولكنر شديدة الشبه بحالة دوستويفسكي الذي تنبأ رغم محافظته بالثورة البلشفية.
أما فولكنر الذي شهد حضارة لم يعرف فيها إلا الانتقادات الأخيرة للعدالة فانه لم يجشم نفسه محاربة الميز العنصري بل اقتصر على أن جعل منه ملحمة، فالسود- في نظر فولكنر- يفتدون البيض بآلامهم مثل نانسي Naney ( بطلة قصة المعبد) الباغية السوداء التي افتدت بتضحيتها الإنسانية خطايا معبد دريك Drak أما الآخرون: السلفة والمتعجرفون، والمهزومون في الحرب الانفصالية، والسيكرون، والبغايا، وأبناء العائلات القليلة القيمة وبناتها، والفلاحون الجشعون والطيارون الفاشلون، والعضليون الجبناء القاصرون، والصيادون، والعلماء، والأبطال، والعشاق الذين لم يبق لهم من غراماتهم غير ظلال لها- هؤلاء جميعا لم يوجدوا في كتابات فولكنر إلا ليسهموا في الملحمة التي عبر عنها شكسبير في «ماكبث» بذلك البيت الشعري الذي اتخذه فولكنر عنوانا لأجمل قصصه: «ما الحياة إلا حكاية يرويها معتوه، تطفح بالصخب والعنف، ولا تعني أي شيء على الإطلاق».
ومثلما كانت الأسطورة عند الأقدمين، وايطاليا عند شكسبير، وسانت بطرسبورغ أو مرسكو عند دستويفسكي، وباريس عند بلزاك .. فانم جنوب الولايات المتحدة عند فولكنز كان هو الآخر عالما صغيرا تضطرم فيه أهواء الناس حانقة إلى حد الإجرام، وتسود فيه- كما قال فكتور هيغو-: «تلك الشمس المرعبة السوداء التي يشع منها الليل» ليل الحياة، لكنه أيضا نور حقل قصصي لا مثيل له في الآداب العالمية في الثلاثين سنة الأخيرة، هذه الآداب التي كتبت قصدا لتصوير عالم يموت.
* * *
رفض فولكنر الاهتمام بالتراجيديات العظيمة في عصرنا- باستثناء حرب 1914 - فظل بذلك آخر كاتب تراجيدي، انه الكاتب الوحيد الذي عرف واستطاع أن يقارن الإنسان بشيء يفوقه، هذا الشيء الذي أمسى من الصعب ذكر اسم له: إن ميثولوجية فولكنر كاثوليكية، لكن فولكنر نفسه لم يكن كاثوليكيا.
لست أفكر الآن في شخوص قصص فولكنر فانا بعيد عنها، وإنما أفكر في الرجل نفسه كما صوره لي في كتاباته احد أفراد عائلته.
إن قراءة فولكنر تعيد إلى ذهني صورة ذلك الرجل المنوي في حجرة مظلمة ذات جدران مغطاة بالرسوم والخرائط والإشارات التي تسمح له بالرجوع إلى نفسه كلما تاه، وقد انكب على عمله حتى الفجر وبجانبه زجاجة ويسكي، حتى إذا انبلج الصبح تدخل الخادمة السوداء الشمطاء فتجده ملقى على الطاولة والحبر بجانبه مراق فتأخذه إلى سريره وتنميه كالطفل ... إن قراءة تلك الكتب تجعلني أفكر أيضا في ذلك الكاتب الذي خط أصعب مؤلفاته وأكثرها حدة على ضوء «مصباح بنزين» ن وتدفعني إلى أفكار تكريم كافو Gaveau سنة 1950 حيث ظهر فولكنر بجانب اندري مالرو على المسرح، محتقن الدم، جامد السمات لأنه كان وشيك الابلال من مرض أصابه من الكحول وكاد أن يتسبب في إلغاء التكريم، لقد وقف الجمهور في ذلك اليوم وصفق له بحرارة مدة عشرين دقيقة دون أن تتحرك ملامحه، حتى انه كان بوسعنا أن نتساءل: أكان يعي حقا أين تقف قدماه؟ ..
إن كل ما نستطيع قوله عن حياته- باستثناء الجنوب الأمريكي والمحبة الفياضة التي كان يكنها لابنته التي غادر من اجلها اكسفود إلى فرجينيا حيث تزوجت- لن يفيدنا في شيء، ففولكنر أصيل في كتابته أصالة لم يسبقه إليها غيره، فهو في كتبه لم يكن غير ذاكرة جامعة لذكريات قديمة تشكل صورة لتاريخ تلك المدينة الجنوبية التي صور أعمالها.
لقد كان فولكنر يعرف- مثل بطل قصته «نخيل البراري»: les palmiers sauvages ذلك الطبيب الشاب الذي حوكم لأنه قام بعملية إجهاض انه: «إذا كانت الذكرى توجد خارج ذات الإنسان فإنها لا تبقى ذكرى لأنها لن تعود صدى للشيء الذي نتذكره ( ... )، وإذا توقفت أنا عن الحياة فان الذكرى تقف هي الأخرى عن الحياة، ولو خيرت بين الكآبة والعدم فسأختار الكآبة».
إن من العبث أن نبحث بين كتب فولكنر القصصية والروائية عن كتاب يمكن أن نضعه في طليعة كتبه، فمؤلفاته مجتمعة هي التي تحمل في ذاتها ابلغ دلالة.
القنيطرة: إبراهيم الهواري