تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسكان تونس فيهم بعض صفات الكبرياء والتفاخر والتعاظم، مما يجعل الوحدة معهم غير متجانسة، ومما لا يدع لهم مجالا في الوحدة لهذه الأسباب.

وفي الجزائر كان «الجوار» دائما يؤلف بيننا وبينهم انسجاما في العادات وفي اللهجات وفي التفكير، «الاتصال» الأرضي دائما يقرب بيننا وبينهم بالإضافة إلى ما بيننا من روابط التزاوج والتصاهر والتصادق المتكاثرة .. مما يجعل أسباب الوحدة بيننا وبينهم متوفرة وممكنة.

ونحن وان كنا ى نقر هذا التفكير على عوجه، وان كانت لنا ملاحظات وانتقادات على هذا النوع من التفكير الشعبي في الوحدة، فانه يهمنا- قبل كل شيء- أن نستنتج من هذه النظريات الشعبية كلها «إجماعها» على قبول «فكرة الوحدة» أما من سيدخل في هذه الوحدة ومن سيخرج منها، فذلك أمر يتعلق «بوسائل» هذه الوحدة و «غايتها» ... واختلاف وجهات النظر- من بعد ذلك- ليس عيبا ولا بدعا في التفكير، وإنما هو أمر طبيعي وضروري كذلكن وإنما «البقاء للإصلاح»، وعندما تصلح النيات، وتتجه النظريات جميعها نحو الوحدة فان الوحدة ستعرف كيف تشق لنفسها طريقها بين الورد أو بين الأشواك، وإذا كان الإخلاص رائدنا نحو الوحدة كانت الوحدة بالشكل الذي يرضى عنه الجميع، ذلك أن أمر الوحدة يهم الفرد بقدر ما يهم الجماعة، فيجب أن يسهم في بنائها وفي التفكير فيها الفرد كما تفكر فيها الجماعة.

على أن مفهوم الوحدة الذي يتحدث عنه المثقفون في كتاباتهم ويتحمسون له كثيرا مفهوم «عقلي» يجانب العاطفة بالقدر الذي تكون فيه سطحية غير عميقة، وهازلة غير جادة، وهادمة غير باينة، كما بجانب التفكير «الواقعي» في الوحدة بالقدر الذي يكون فيه غير متفق مع أخلاق الأمة، منافيا لعاداتها وتقاليدها غير مساير للتطور، وهو مفهوم غير عاطفي تماما، وغير واقعي تماما، لا يخضع للظروف ولا للأحداث، ولا تحكمه الضروريات، وإنما هو تفكير حر منطلق يجاوز الوقائع والقيود إلى ما رواء ذلك من عوالم الفكر الحرة المنطلقة.

وهذا النوع من التفكير، وان كانت للنقد فيه سهام نافذة، فهو سبيل الخلاص «العاطفة» من حيرتها وتوقفها وتشاؤمها وترددها بين المفاهيم، وهو نور يستضيء به «الواقع» في حالكات المشاكل التي تواجههن فالتفكير «المثقف» في الوحدة ضمان للوحدة من الانحراف مع تيار العاطفة الجارف، وأمان من المضي مع الواقع في طريق منحرفة عن الخط المستقيم للوحدة، ذلك أن طريق الوحدة ليس من ورد دائما. وإنما هو في الواقع مزيج من ورد وشوك.

فالمفهوم المثقف للوحدة بالشكل الذي وصفناه مفهوم واسع هادئ رزين نومن غير الممكن أن تحدده كلمات في مقالة، ولا أن تحيط به سطور في كتاب، إنما يحدده المثقفون جميعا في أنحاء المغرب العربي، وإنما تحيط به كتاباتهم ورسائلهم في الموضوع إلى أن تقوم الوحدة، ومن بعد أن تقوم الوحدة، هو إذن مفهوم مستمر متجدد.

فإذا تحدث عنه مثقف أو رسم له بعض خطوطه واتجاهاته، فهو إنما يتحدث عن لمحات ونظرات، وهو إنما يتلمس طريقه لوحدة من بين طرقها المتعددة المتشعبة.

ولو ما يعهم المثقف من مفاهيم الوحدة مظهرها الثقافي، ذلك أن تعدد ألوان الثقافة في المغرب العربي أمر مشاهد ملموس، ولقد تفاوتت الأزمة التي خضع فيها مكل قطر من أقطار المغرب العربي للاستعمار ولثقافته وحضارتهن وتبعا لذلك غلبت الثقافة الأجنبية وصارت طابعا مميزا لمعظم مثقفي المغرب وصارت قاسما مشتركا ونقطة التقاء المثقفين المغاربة.

والى جانب ذلك يوجد لون آخر له طابع مميز هو الطابع العربي الذي يلتقي حوله المثقفون بالعربية ممن خرجتهم المعاهد التقليدية في أقطار المغرب، أو ممن تلقوا دراستهم العالية في احد المعاهد العربية بالقاهرة أو بغداد أو دمشق أو غيرها من الأقطار العربية.

فهذه الألوان الثقافية المتعددة تجعل أصحابها يفكرون في الوحدة ويتصورونها في إطار من ثقافتهم التي تلقوها وتشبعوا بها، وليس بضائر للوحدة شيء أن يختلف تصورها من مثقف إلى أخر، أو يتعدد مفهومها عند هذا أو ذاك، ولكن الذي يضر الوحدة حقيقة، إلا تؤمن بها طائفة من هؤلاء المثقفين أو يخرج عن صفها منهم خارج، أو يفكر بمبدئها منهم كافر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٩٠