دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص51
مفاهيم الوحدة المغربية
للأستاذ: عبد الله الكامل الكتاني
عند ما تقف الجماهير محتشدة يوم رجوع زعماء التحرير الجزائري من المتنفى، إلى ارض المغرب التي اختطفوا منها، فارحة بعودة الزعماء، هاتفة للوحدة- وحدة المغرب العربي- فأي وحدة تستقر في ضمير هذه الجماهير؟
وعندما يكتب المثقفون مقالات عن الوحدة، ويتحدثون عنها، ويتحمسون لها، فأي وحدة يعني هؤلاء.
وعند ما ينادي الحاكمون في أقطار المغرب العربي بوحدة هذا المغرب، ويؤلفون اللجان المختلفة لدراسة مشاكل الوحدة وإخراجها من نطاق الفكر إلى نطاق الفعل، فأي وحدة ينادي بها هؤلاء؟
انه ما منش ك في أن مفاهيم هذه «الوحدات» الثلاث ليست واحدا، بل إن المفهوم الواحد منها يتشعب بدوره إلى مفاهيم لا تقف عند حصر.
فالمفهوم المستقر في ضمير الجماهير عن الوحدة مفهوم «عاطفي» متميز بصفات العواطف المتأرجحة بين الحرارة والاندفاع وبين البرودة والانكماش.
فهذه طائفة ترى الوحدة ضرورة من ضرورات الحياة، ومصلحة اقتصادية ومعاشية، فيها ازدهار وحركة للأسواق، ونشاط للأفراد والمشاريع والجماعات، ومصدرا للقوة السياسية والعسكرية فيها عزة لنا ومنعة مجد طالما تمنيناها وسهرنا لأجلها، وهذه الطائفة لا تكاد ترى في الوحدة غير هذه «الضرورة» الحياتية و «المصلحة» الاقتصادية و «القوة» السياسية والعسكرية.
هناك طائفة أخرى من الجماهير تجاوز هذه المرحلة «الظاهرية» من مراحل الوحدة لتبحث في المدلول «الجغرافي» و «السكاني» لهذه الوحدة، ويكاد هذان المدلولان يكونان أمرا واحدا في نظرها، ونحن نلاحظ أن هذه الطائفة من الجماهير تقترب من التفكير الواقعي في الوحدة عندنا تتجه في تفكيرها مثل هذا الاتجاه، ولكننا إذا مضينا- معها- في تحليل هذين المدلولين، وجدنا هنالك وجهات نظر متعددة في الموضوع تتصف بصفات التفكير العاطفي، المندفع حينا، المنكمش حينا آخر، السطحي تارة، العميق تارة أخرى، الثائر مرة، الهادئ مرة أخرى.
فالمدلول الجغرافي للوحدة عند هذه الطائفة هو ذلك الذائع الشائع عند الكافة، مدلول يشمل تونس والجزائر والمغرب الأقصى، وهذا تفكير هادئ عميق ومعقول، ولكن العاطفة سرعان ما تطغي عليهن فتزيد عليه أو تنقص منه، بحسب حرارتها وبرودتها، وسعتها وضيقها، وتفاؤلها أو تشاؤمها، وباختلاف الطبقات الجماهيرية التي تفكر فيه: فنرى بعضها يضيف إليه ليبيا، وفي بعض الأحيان قسما من حدود السودان ومصر، ونرى بعضها الآخر يزيل منه ليبيا وتونس، لبعدهما «جغرافيا» ويقتصر في مفهومه للوحدة على مدلول «الجوار الجغرافي» والاتصال الأرضي، وهذا النوع من التفكير في الوحدة على أساس من القرب أو البعد الجغرافيين قريب من ذلك التفكير فيها على أساس من «المدلول السكاني» الذي نلاحظ عليه كثيرا من السطحية والانكماش: فسكان ليبيا- في نظرهم- قريبون من مصر، وهم خاضعون لتقاليدها وعادتها، وبعض لهجاتهم قريبة من لهجاتها، فهم لا يدخلون - سكانيا- في وحدة المغرب العربي،