واختلاف وجهات النظر، في نطاق التسليم بمبدأ وحدة المغرب أمر ينفع الوحدة ولا يضرها في شيء، وكلما ازدادت مفاهيم الوحدة الثقافية تعددا واختلافا كان ذلك ادعى إلى طول عمرها وزكاتها.
وتتأثر مفاهيم الوحدة، بعد ذلك بأسلوب المثقفين التفكيري في الحياة عامة: فهذه طائفة تهتم بالمفاهيم الإسلامية للوحدة، وتجعلها عنصرا فعالا في حياة هذه الوحدة وقابليتها للحياة، وعلى غيرها لا يمكن أن يقوم بشيء، ويمكن أن ندرج في هذا المفهوم كل ما يقاربه من مفاهيم عاطفية وأخلاقية وتاريخية ولغوية: فنحن في هذه الأقطار المغربية قد خضعنا جميعا لآلام واحدة، جعلت لنا آمالا واحدة مشتركة في المستقبل، لدرجة أن أقطارنا التي استقلت حديثا، كانت تعتبر- بحق- استقلالها غير مستقر ولا كامل إلا بتمام استقلال الأجزاء الأخرى المستعمرة من الوطن المغربي.
ثم إن العادات والتقاليد في سائر أنحاء المغرب واحدة، والمثل العليا التي تؤمن بها الجماهير مثل إسلامية واحدة، والتاريخ تاريخ واحد منذ الفتح الإسلامي- ومنذ ما قبل الفتح الإسلامي فيما يقال- حتى يومنا هذا الذي تشد فيه هذه الأقطار عزمها على المضي صفا واحدا نحو آمال واحدة ومستقبل واحد وتاريخ واحد.
واللغة واحدة، ولكن أية «لغة» هذه هي الواحدة؟ لاشك عندي- رغم أن الإدارة ومعظم المرافق الحية في مختلف أقطار المغرب تسيطر عليها اللغة الأجنبية- في أن اللغة الواحدة التي يمكن أن يجتمع حولها مغرب عربي متحضر إنما هي اللغة العربية، على الرغم من أنها في الوقت الحاضر ليست لغة العلم ولا لغة الإدارة ولا لغة السياسية، ذلك لأنها لغة وطنية «مقدسة» جعل لها الدين الإسلامي مكانا معينا في نفوس الجماهير، حتى صارت من الحرمات التي لا تمكن أن تنسى ولا أن تداس، وفي اعتقادي أن قدسيتها هذه ستعمل عملها في الق ريب لتصبح اللغة العربية لغة العلم والإدارة والسياسة في المغرب العربي المقبل كما كانت بالأمس لغة الدين والسياسة جميعا، أن هذا أمل دفين في خبيئة كل قلب مخالص مهما كان جهله به1ذه اللغة تماما، وعلمه بغيرها من اللغات وسيلته المعاشية الوحيدة في الحياة. أن هذا من أسرار القدسية الكامنة في اللغة العربية ومن دلائل إعجازها وعبقريتها المستمرتين على الدهور.
وهناك طائفة أخرى من المثقفين تشغل نفسها بالمفاهيم الحديثة للوحدات وفلسفتها، وبأشكالها وأساليبها، وبوسائلها وغاياتها، ولكنها- في حقيقة الأمر- لا تستطيع أو لا تكاد تستطيع الخروج عن ذلك الإطار الإسلامي للوحدة كما حددناه قبل قليل.
فمفاهيم الوحدة عند المثقفين إذا بحر لا سحال له- مهما يقال- وكلننا مضطرون للاكتفاء بهذه الصورة الخاطفة، معتبرينها خطوطا كبيرة للمفاهيم الوحدوية الكبرى في المغرب العربي المثقف.
حتى إذا تجاوزنا هذين المفهومين قليلا لم يكن لنا مفر من اعتبار المفهوم «السياسي»
للوحدة مفهومها الثالث «الواقعي» الذي يضع المشكل على بساطا لدرس، ويحاول أن يخرجه في صورة أو في أخرى من نطاق الفكر إلى نطاق الفعل، ومن مجال السكون إلى مجال الحركة.
الجهاز السياسي في أقطار المغرب العربي «مجمع» على قبول مبدأ الوحدة، وكما يبدو من خطبه وتصريحاته انه منهمك في إعداد الخطة لإيجاد الحلو العلمية لمتخلف مشاكل وحدة المغرب العربي.
وفي تحليلنا للمفهوم السياسي للوحدة، ليس في استطاعتنا في الوقت الحاضر أن نضيف شيئا على ما قدمنا من قبل، إلا ما يتفق وطبيعة هذا المفهوم من «واقعية» و «عملية» تفرضا أن عليه التقيد بالأحداث الداخلية لكل قطر وبالمشاعر الوطنية الأخرى الموجودة أيضا في كل قطر والمؤمنة بالعروبة وبالإسلام إلى جانب إيمانها بالمغرب العربي، كما تفرضان عليه النظر إلى الظروف القارية والدولية الملائمة لإعلان هذه الوحدة والمناداة بها بالمشكل الذي تتفق عليه هذه الأقطار