ومن هم الولاة يومئذ؟ هم العسكريون كلمتهم هي الأولى والأخيرة، وبما أن الكلمة كانت للعسكريين فإلى القراء نموذجا من الأصول التي تأسست عليها العلائق بين العنصرين، يقول المارشال بيجو القائد العام للحملة الاستعمارية المقرون اسمه باسم الأمير عبد القادر في مذكراته ما ترجمته بالحرف (أن طول خبرتي يسيرة المسلمين وطبائعهم وتقاليدهم أفادني اليقين بهذه الحقيقة، وهي انه لو طبخ رأس مسلم مع رأس فرنسي في قدر واحدة لتميزت معرفة هذا من مرقة هذا) معناه اليأس الذي لا رجاء معه من محاولة تبديل توجيه المسلمين وتحويلهم من الوجهة التي هم عليها وها نحن أولا نجد نفس هذه الروح سارية في معاملة الفرنسيين لجزائريين حتى في هذه السنين الأخيرة. كنت يوما في الجزائر في مقهى لابروس أمام قاعدة الحكومة في جماعة من أعيان الجزائر من بينهم صديق لي السيد محمد بن المرابط واحد المحامين، والمحامي كان من جملة أعضاء المجلس البلدي فذكر لنا في أثناء الحديث هذه القصة: (كانت محلات اللهو وكثير من المؤسسات تؤدي ضريبة إسعاف تدعى ضريبة المساكين، ومنذ وضعت كانت خاصة خالصة للأوربيين لا نصيب فيها لمسلمين، بصفتها أعضاء في المجلس البلدي اتفقنا على تقديم طلب لعالم العمالة بناء على أن المسلمين هو أيضا يغشون محلات اللهو ويؤدون ما يؤديه غيرهم، فبقينا في انتظار الجواب ما لا يقل عن ستة أشهر، وما هو مضمون الجواب الذي جادت به الحكومة؟ مضمونة هو ما لا يكاد يصدق به احد. وهذا فحواه: أن التراتيب الإدارية الجارية مبنية على المرسوم الصادر عام 1855 المنصوص فيه على أن المسيحي الواحد يعدل مائة من المسلمين في باب الإسعاف، يعني إن ما يعطى على وجه الإعانة لمسيحي واحد يعطى مثله لمائة مكن المسلمين يتقاسمونه بينهم؟) ثم ذكر المحامي أن نسخة من الجواب تحت يده في محفظة أوراقه، هذا الذي سمعناه من المحامي العضو البلدي بمزيد الدهشة والاستغراب في سنة 1941، اكتب ما اكتب وكأنني أرى وجه جروج بيدو على شاشة التلفزيون وهو يقرأ هذا القانون الغريب، نعم في هذا الجو الخانق عاشت الجزائر قرنا كاملا وثلث قرن كأنها في معتقل مجهز ليكون قالبا يفرغ فيه السكان على الشكل الذي ترتضيه المسيحية ومن كان في ريب مما أقوله أعطيه شاهدا هو في علم سائر الأوساط الجزائرية، وهوان الحكومة فصلت ناحية الصحراء من بقية القطر على طول ما بين المغرب إلى الأيالة التونسية وحجرت الدخول للمنطقة الصحراوية إلا باذن خاص، وتحت المراقبة بعد أن بسطت فيها اليد الطولي لرجال الكنيسة ينشرون فيها تعاليمهم تحت قناع أطباء وممرضين وممرضات راهبات، ثم أنشئت مدارس ومؤسسات لتربية أولاد المسلمين وبحكم التدريج وصلت الحال بهؤلاء إلى أن صاروا يتقلدون الصليب في العنق والنعالة في الأرجل كما هي عادة الرهبان، والذي ممهد الطريق في هذا السبيل هو ما تبذله الحكومة من الاعانمات والأدوية خصوصا في أوقات المجاعة وانتشار الأمراض، فأنت ترى إن من جملة الأهداف بل من اوكدها الوصول بالأهالي إلى التمسيح وصدق اله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وهكذا ظلت الجزائر وباتت تتوالى عليها التجارب الإدارية بمختلف الأساليب لعلهم يطوونها الطية التي رسموا خطتها، ولكنها بالرغم عما بذل من الجهود في سبيل طمس المعالم الإسلامية بقي جمر الوطنية تحت الرماد كلما جاد الزمان بفرصة اندلعت ناره بشهادة ثورة القبائل بقيادة بومزراق في الشمال وثورة أولاد سيدي الشيخ في الجنوب، وثورة مليانة وما جاورها، وثورة قبائل الأحرار جنوب العمالة الوهرانية.
إلى مستهل هذا القرن هب نسيم جديد أحيا دارس الأمل وذلك بما أخذ يتسرب إلى القطر من الجرائد والمجلات والمؤلفات أمثال المشورة التي كانت تصدرها الجالية التركية في باريز، وجريدة اللواء لمصطفى كامل، والعروة الوثقى لصاحبها جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده صاحب رسالة التوحيد، وكتاب ليالي سطيح، وكتاب حديث عيسى لبن هشام أو فترة من الزمن، والرد على هانوطو وزير الخارجية الفرنسي في تهجمه على الإسلام، وكتاب جمعية أو القرى لعبد الحمرن الكواكبي والى جانب هؤلاء جماعة من الشعراء مثل البارودي، وشاعر النيل، والمليحي، وعبد الله النديم والذي ساعد على دخول هذه الروح الجديدة في القطر أن الحكومة الفرنسية أناخت بكلكلها على صدر البلاد بحيث أصبحت لا يخطر ببالها بتاتا أن تتوقع ما عسى أن يحدث من التغيير وما فكرت أن لله تصميمه كما للبشر تصميمهم، واله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
نعم دخلت هذه الأفكار الجدية إلى القطر بمرأى ومسمع من الحكومة لأمر أراده الله كأنما أصحابها جماعة موزعين لبريد دخلوا البلاد لتبليغ رسائل