تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص48

الجزائرتتخلص من نير الاستعمار

للأستاذ: أبو العباس احمد التيجاني

جاء في الأساطير القديمة أن أناسا حكم عليهم بالعقوبة المعروفة بعقوبة البرميل وصورتها أن برميلا ضخما منصوبا قرب بئر ومن تحت البرميل قنوات مدفونة في نهر هناك على أن إطلاق سراج الجاني يكون عندما يملأ البرميل من البئر، ذلك اصح ما تشبه به النكبة التي أصابت الجزائر وظلت وباتت ترزح تحتها قرنا وثلث قرن، الاستعمار من أصله استعباد مقنع ظاهرته التي لا تخفى على الخاص والعام انه يرمي إلى خصاء الشعوب الأمر الذي جعله ممقوتا في حد ذاته، وفيما يخص الجزائر زاده مقتا إلى مقته انه دخل من أشنع أبواب الغدر والمكر، وبيان ذلك أن غزو الجزائر من طرف فرنسا كان عام 1830 ميلادية، وهذا الغزو لم يكن لمجرد خلاف سياسي بين دولتين كما هو المتعارف، بل كان نتيجة مؤامرة لحمتها وسداها الغدر والتدليس، وشرح ذلك أن الجزائر كما هو معلوم كانت تابعة للدولة العثمانية، وفي عام 1827 اعني بما يقرب من الثلاث سنين تكتلت الدول الثلا3ث انكلترا وفرنسا وروسيا، وشنوا غارة بحرية على الأسطول التركي وحطموه عن آخره في الواقعة المعروفة بمعركة نافرا (اسم ميناء على الساحل اليوناني)،جاء ثلاثتهم لنجدة اليونان ونصرته في الحرب التي بينه وبين الدولة الإسلامية العثمانية، فصبحت بذلك الدولة العثمانية مقلمة الأظفار مشلولة اليد فيما إذا دهمها خطرن فلم يبق لفرنسا بعد هذا إلا إيجاد فرصة لتصفية حساب بينها وبين الجزائر لأنها كانت تتهم الجزائر بالقرصنة في البحر المتوسط، لاسيما والأمر بين المسيحية والإسلام وهي بنت الكنيسة البكر المعتزة بحماية المسيحيين في الشرق الأدنى، ومنذ ذلك الحين وفرنسا تفتل في الذروة والغارب إلى أن جاءت الفرصة المنتظرة، وذلك أنها اشترت من الحكومة الجزائرية كمية من القمح بواسطة السمسارين اليهوديين الاخوين بكرين ومن نطق باسم الذئب يوشك أن يرى ذئبه، واشترط في صلب العقد دفع الثمن في الجزائر محل العقد، فإذا بفرنسا بعدما تسلمت السلعة وانتفعت بها قامت تزعم إن دفع الثمن إنما يكون في مرسيليا لا في الجزائر بعد مفاوضة تجري في هذا الشأن، لان السلعة في زعمها ظهر فيها الغش، وما أشبه هذه الدعوى بدعوى الذئب على المعزة وأنها أعمت عينيه بما تثيره من غبار بذنبها، هذا الموقف الجدي من فرنسا تبعه لا محالة اخذ ورد بين الحكومتين الجزائرية والفرنسية، وعبثا كان هذا الأخذ والرد لان الخصم له هدفه بين عينيه لا يهدأ له بال إلا بالوصول إليه، الأمر الذي حمل ممثل فرنسا القنصل دوفال على إظهار التطاول ونوع من الازدراء للباي حسين أثناء المفاوضة، فلم يسع الباي إلا قطع الحديث وأمر القنصل بالانسحاب، فألبست القضية بذلة سياسية تقوية للحجة ادعى فيها بان الباي ضرب القنصل بالمروحة، وهكذا ما زال افعوان السياسة ينساب في بنيان الطريق والسياسة عند القوم حتى في العصر الحاضر، رائدها قول احد مشاهير وزراء فرنسا دوطاليرا: أعطنا الكلام لنموه به عن مقاصدنا ونوابانا) فما الظن والأمر يجير بين امة إسلامية ودولة مسيحية الجواب يطلب من جورج بيدو، والخلاصة من هذه المقدمة أن الجزائر بعد معارك دارت رحاها طول البلاد وعرضها دار الفلك في شأنها دورته وانتهى بها الأمر إلى الوقوع في شقاق جدول الاستعمار.

ثم مع الأيام جاء دور تأسيس العلائق بين الغالب والمغلوب، من المعلوم بالضرورة أن القوانين والتراتيب الإدارية تنبثق من البيئة الاجتماعية ونزعات الولاة،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٨٦