في بعض الحالات- إلى استشارة أنواع من الأزمات في مجال العلاقات الفرنسية الأمريكية بل وأيضا في حظيرة الحلف الأطلسي بالذات، وقد بلغت هذه الحالة أوجها بعد انقلاب السياسة الفرنسية في العهد الحالي، وتبلورها في شكل اتجاهات ذات صبغة استقلالية ملحوظة. وهناك- من جهة أخرى- كثير من صور التأزم الأخرى الذي كان يصيب بين فرنسا وبعض الدول الأخرى نتيجة الاختلاف حول موضوع الجزائر، ومن بين مظاهر ذلك: الخلاف الفرنسي اليوغوسلافي الذي استطال فترات مديدة، واجتاز مراحل وأشواطا ذات حدة قوية جدا خاصة بعد قيام الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائرية في خريف سنة 1958، والتحام العلاقات بينها وبين بلغراد بصورة علنية ومتينة، ومن آخر المظاهر التي تذكر في هذا المجال: الخلاف الفرنسي السوفياتي الذي نشب أوائل السنة الحالية في موضوع الجزائر أيضا وكان أساسه: إقدام الحكومة الروسية على الإدلاء باعترافها النهائي بالحكومة الجزائرية.
وهناك الكثير من المعضلات الدولية الأخرى التي كانت الجزائر أساس لنشوئها على نحو أو آخر، وبقدر ما كان الوضع الثوري يتطور في هذا البلد بقدر ما كانت سحب التوتر تغشى كثيرا من أجواء العلاقات بين الدول الغربية ذاتها، وبين هذه الدول والأقطار الواقعة في المعسكر الشيوعي أو المنتسبة للكتلة الإفريقية الأسيوية، أو المنتمية إلى نظام الجامعية العربية، واهم الانعكاسات التي ينتظر أن يخلفها الاستقلال الجزائري في هذا الصدد هي الإفضاء إلى تصفية هذه التعقيدات الدبلوماسية من أساسها، وترميم الآثار الحادة أو المزمنة التي كانت تخلفها في مضمار العلاقات الدولية من جهة والعلاقات بين الغرب والعالم العربي والإسلامي من جهة أخرى.
وليس المهم في الواقع- أن يؤدي استقلال الجزائر إلى تهيئ الظروف الصالحة لإنهاء هذه التعقيدات بصورة عضوية تلقائية، وإنما المهم أكثر من ذلك هو أن تتمكن الدولة الجزائرية سريعا من استكمال كل عناصر فاعليتها الدولية الواسعة، وان تتضاعف إمكانيات نشاطها داخل الأسرة العالمية المتحررة، وان تتهيأ لها- مع شقيقاتها العربيات- عوامل القدرة على اتخاذ المبادرة من أجل تحقيق رسالة النهوض والتطور، ثم من اجل المساهمة في بناء عالم متحرر قوامه الحرية والعدالة والازدهار.
سلا: المهدي البرجالي