جماعة لائكية لأنها في نظرها- غير موجود، والحركة الكاثولوكية كما نفهما في أوربا جد حديثة العهد، وقليلة الانتشار، وكثيرا ما تظاهرت الاكليركية بالسلطة دون أن تترك لللائكيين فرصة المبادرات. وقد كتب الأساقفة في رسالتهم المؤرخة ب 7 غشت 1960 يؤكدون أن «الشعب الكوبي كاثوليكي» والحقيقة أن الشعب الكوبي هو بكل بساطة غير متدين، والكنيسة- مع استثناءات قليلة- لم تكلف نفسها عناء الاتصال بالشعب لسبر أغواره.
ومنذ سنتين انهمكت الحكومة الثورية في إعطاء علاقات الاحتظاء Concubinage صفة قانونية، حرصا على النظام وعلى كرامة المواطنين. وأيضا مناجل وضع مسطرة للحالة المدنية. وقد كانت هذه العمليات تتم بكثرة بينما الكنيسة لا تتحرك ساكنا ...
وأخذت أكواخ الفلاحين القذرة المنتشرة في الهواء الطلق تختفي لتخلفها قرى جديدة قائمة حول «دكان الشعب» الذي يقدم المواد الغذائية بأثمان زهيدة، ولم أر في أية قرية من هذه القرى الجديدة أي مركز مؤقت يشهد على حضور الكنيسة أو على رغبتها في أن تشارك الفلاحين يقظتهم، واليوم وطبقة الفلاحين تعيش مرحلة الأمل- مثلما عاشت بالأمس، فترة البؤس، فانه يلاحظ نغيب الكنيسة المفجع ...
والواقع أن هناك ما يبرر عداء الشعب الكوبي للكاثوليكية .. فهو قد عانى طويلا من الاستعمار الاسباني الذي حمل معه الكاتوليكية إلى الجزيرة، وعانى أكثر من أية طبقة اجتماعية أخرى، من الأنظمة الفاسدة والديكتاتوريات التي وجدت الكنيسة في ظلها جو الانسجام، ومن المسلم به أنها لم تكن من القوة بحيث يمكنها معارضة الحكومات التي جعلت من هافانا ماخورا للأمريكيين يأتون إليها لنهب الخزينة العامة، ونشر الأكاذيب والجرائم السياسية في واضحة النهار. إلا انه يلاحظ أن الكنيسة، بنفس المسؤولين، وجدت قوة عجيبة لمهاجمة «الشيوعية» دونان تتنبه إلى أن عملها هذا يضطر أشخاصا مخلصين إلى التخلي عن الثورة، وإفساح المجال لتخلفهم عناصر من اليسار المتطرف ...
لقد كان «جوزي مارتي» مفخرة كوبا، وبطل الاستقلال الذي يقتل الذي قتل في معركة 1895، ماسونيا، ولم تكن شيعة الماسونية التي كان ينتمي إليها معادية للكاثوليكية، وإنما كانت عبارة عن جماعة للتعاون. وبعد موته ظلت الماسونية محتفظة بتأثيرها دون أن تلتحم في صراع مع الكنيسة، ومن الناحية العلمية فان مختلف الطبقات المجتمعة لم تكن تنطوي على عداء الكنيسة ...
ذلك هو تشخيص الوضع قبل أن يتولى كاسترو الحكم، ولم يكن الشعب يكن عداء شديدا للأمريكيين. كان يظهر نفس اللامبالاة سواء تجاه الولايات المتحدة أو اتجاه الكنيسة بلل يمكن القول انه كان أكثر استعدادا للتفاهم معها نتيجة لمواقف التي اتخذتها المنظمات الكاثوليكية في المدن ضد باتيستان ونتيجة لتدخل الأسقف «بيرز سيرانتي» الذي أنقذ حياة فيديل كاستور سنة 1954 ...
فلما سقطت دعائم الديكتاتورية ظلت آفاق المستقبل مفتوحة، وقابلة لكل الاحتمالات: فلو أن الولايات المتحدة ابتهجت بقيام الثورة وأمدتها بالمعونة لاعترف الشعب الكوبي بالجميل وشايع الاتجاه الأمريكي ... ولو أن الكنيسة ترجمت مساندتها للثورة بطريقة لا تقتصر على الألفاظ، لأصبح الشعب بجانبها، غير أن الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة جعل الغضب ينفجر في جميع أطراف الجزيرة، ذلك الغضب الذي جسمه شعار: «نعم لكوبا، ولا، لأمريكا» كما أن موقف الكنيسة نجمت عنه حملة قوية معاديا للأكليركية ...
وقد كانت الولايات المتحدة متأكدة من قوتها فلم تتصور أن الثورة ستتابع طريقها، أما الكنيسة فهي جد رزينة، وجد ضعيفة لا يمكنها أن تشارك في اللعبة النهائية، وتأييده لإصلاح الزراعي لا يغير كثيرا من الواقع، فعندما دعا الأسقف «ايفيليودياز» سنة 1959 جميع المسيحيين إلى المشاركة في تحقيق الإصلاح الزراعي، عم الفرح الحكومة الثورية والمواطنين إلا أن الإصلاح الزراعي ومثله الإصلاح المدني، يمس بالدرجة الأولى البورجوازية الذين خصتهم الكنيسة في الماضي بعنايتها الفائقة، ولذلك فان هيئة الأساقفة والكليركية لا يمكنها أن تتخلى بسهولة عن هذه الطبقة ومن ثم فقد أصبح الاختيار عملية دقيقة بالنسبة للكنيسة، لان الطبقتين البورجوازية والمتوسطة التين كانتا سند الكنيسة أخذتا تجهران بعدائهما للثور وتسبب ذلك في مشاكل عويصة .. فالرهبان يرفضون الابتعاد عن جماعاتهم، وهذه الجماعة ترجع كل