ومع ذلك فقد حاول كاسترو جهده إلا يدين في خطاباته مجموع الاكليركية.
والواقع أن الاكليركية كانت في البداية منقسمة على نفسها، إلا أن الوضع اخذ يتضح شيئا فشيئا .. فإذا كان غير صحيح أن كوبا أصبحت شيوعية، فمما لا جدال فيه أن النشاط الشيوعي اخذ يتمركز بوضوح، ومنذ أن هاجمت هيئة الأساقفة هذا الاتجاه، أخذت الاكليركية تسترجع وحدتها تحت سلطة الأساقفة وضد الخطر الشيوعي…
وكان كاسترو كثيرا ما يستشهد بالمسيح والإنجيل في خطبه خالية من الحذاقة، مصدرها السداجة، أكثر من سوء النية، مما عمل على إغضاب «المؤمنين»، ولكن الأساليب البوليسية بالأخص هي التي تسببت في المشاكل للكاثوليكيين، وأبعدت ثورا وطنيين مخلصين، فاسحة المجال للشيوعيين. وعندئذ انقسم المسيحيون إلى اتجاهات ثلاثة عامة:
1) غالبية عظمى اتخذت موقفا ضد النظام مستندة إلى عدائها للشيوعية، ومدينة في الجملة أعمال الثورة.
2) أقلية تؤكد في الوقت نفسه ثوريتها وعداءها لاتجاه كاسترو، وتريد إنقاذ الثورة من قبضة الشيوعية داعية إلى اتجاه فيديلي بدون فيديل كاستو، لأنه- في رأيها- المسؤول عن سيطرة الشيوعية على الثورة.
3) جماعة قليلة- لا يعرف إلى أي حد هي كاثوليكية، ظلت مؤيدة للنظام…
وهكذا طرح الأشكال: هناك ثورة اقتصادية واجتماعية تتنامى في كوبا، وتحاول أن تقدم العلاج كلل الأدواء التي لا تنكرها الكنيسة، وتحقق منجزات جبارة لا تعارض الكنيسة في صلاحيتها .. إلا إن هذه الثورة قامت في البداية بدون مشاركة الكنيسة ثم أخذت فيما بعد تشق طريقها في جو من الحرب المفتوحة مع الكنيسة .. فكيف تطورت الأمور؟
إن كوبا لم تتخلص من الاستعمار الاسباني إلا بعد مرور مائة سنة على تحرر أمريكا اللاتينية، والى مدخل هذا القرن كانت الكنيسة تبدو وثيقة الارتباط بالاستعمار الاسباني، ولم تتمكن خلال خمسين سنة من اتخاذ طابع كوبي أصيل، إذ لا يزال أكثر من نصف الالكليركية اسباني الأصل- لذلك فان الكنيسة تبدو، في نظر معظم الكوبيين كهيئة أجنبية، ونجد نسبة راهب واحد لكل عشرة آلاف مواطن، وتكاد تكون الاكليركية منحصرة في الجماعات الحضرية، وقد قابلت راهبا من أصر اسباني كان في كوبا وطرد منها، فاخذ يحدثني عن الرهبان في البادية، فلما أخبرته أنني لم أرقط راهبا واحدا في البادية الكوبية أجابني وهو يبتسم ابتسامة حزينة: «إننا في كوبا نطلق اسم بادية على كل الأجزاء الخارجة عن العاصمة»! أي انه لا يعتبر مراكز الأقاليم الكبرى، والضيعات الآهلة، أجزاء من البادية، وكثيرا ما نخترق مناطق فلاحية شاسعة دون أن نعثر على جرس واحد أو نلمح ثوب كاهن .. لان البوادي لم تبلغها تعاليم الإنجيل ...
وطيلة فترة الاحتلال وبعد الاستقلال، حصرت الكنيسة اهتمامها في سكان الحاضرة بعامة، وفي الطبقة البورجوازية بخاصة. وكان هدفها الأول هو الاستيلاء على «الصفوة» للاعتماد عليها في توسيع تأثير الكنيسة داخل مجموع البلاد، إلا أن المأساة في بلد مثل كوبا، آتية من كون الصفوة جد مبتعدة عن الجماهير وجاهلة لرغائبها .. وقد أسست معاهدة ثانوية وجامعة كاثوليكية، ولكن يمكنك أن تبحث، بدون جدوى، عن مدرسة كنيسة في البادية ...
إن أكثر من نصف سكان المناطق الفلاحية أميون، ولم تفعل الكنيسة أي شيء لتعليمهم، والآن تشيد المدارس الابتدائية في كل الأقاليم، ولكن الحكومة هي التي تسيدها وليست الكنيسة، وصحيح انه من الصعوبة بمكان الوصول إلى سكان البادية نظرا لتشتتهم ونظرا لفقر الرهبان، وخلال ستين سنة لم تعر الحكومات المتتالية بالا لهذه المشكلة، كما أن الكنيسة اقتدت بها في لا مبالاتها ...
وها هي ذي ثورة يقودها طلبة ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وتجعل من الإصلاح الزراعي هدفها الأساسي، فكان أن أصبح الفلاحون هو المستفيدون من هذا الإصلاح، وارتفع مستواهم المعيشي سريعا، وشيدت لهم قرى ومدارس، وأصبحوا - بفضل التنظيمات الشعبية- هم الدعامة الأولى الحامية لنظام الحكم .. أما الكليركية فلم تكن تعرف أولئك الفلاحين المعاضدين للثورة، ولا يمكنها أن تقبل نيابة