تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متعددة وعنيفة. وندد كاستو بالرهبان الاسبانيين ووصفهم بالفاشيشتية والفلانج، وبأنهم «مسيحيون مزيفون لأنهم لا يتوجهون إلى الكنيسة للصلاة، وإنما لحبك المؤامرات…»

وهكذا سجل صيف 1960 تحولا ملحوظا في علاقات الكنيسة بالحكومة الثورية. وهو تسجيل- في نفس الوقت - لتحول سياسي هام للثورة الكوبية .. فقد احتدمت حرب البترول، وحرب السكر بين واشنطون وهافانا على أشدها، وجعلت كوبا ترد على كل مقاطعة اقتصادية تقررها الولايات المتحدة، بتأميم الممتلكات الأمريكية. ذلك أن الثورة لا تتوفر على أسلحة أخرى لضمان استمرارها. وكانت هذه هي الفترة التي اختارها «بوراما سفيدال» الأسقف المساعد بهافانا، للاحتجاج على تضاعف المراقبة الحكومية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. على انه يتحتم الاختيار بوضوح، فهيئة الأساقفة سبق لها أن أيدت الإصلاح الزراعي الذي هو السبب الأساسي الهام في نشوب التوتر مع الولايات المتحدة، وإذن كيف يمكن لهذه الإصلاحات أن تطبق إذا لم تفرضها الدولة؟ وكل هذه الإصلاحات مهددة بإجراءات اقتصادية انتقامية من واشنطن، لذلك فان كل تصفيق للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حققها فيديل كاسترو، لن يكون له معنى إذا اقترن بإدانة الوسيلة الوحيدة المتوفرة له لتحقيق تلك التغييرات، وهذا هو موقف هيئة الأساقفة. إلا أن المعارضة الشديدة لن تبرز إلا في 7 غشت 1960 ضمن رسالة جماعية نشرها الأساقفة وابدوا فيها ارتياحهم من الإصلاح الزراعي، ومشاريع التصنيع والإجراءات المختلفة لتخفيض غلاء المعيشة وتشييد للمدارس والمستشفيات والمساكن، والقضاء على الفساد والعاب القمار. ثم تتغير لهجة الرسالة لتناهض بشدة «ازدياد تسرب الشيوعية في وطننا» ..

وكان فيديل كاسترو قاطعا: «إن من يدين ثورة مثل ثورتنا، يرتكب خيانة في حق المسيح، ويكون بوسعه إعادة صلبه من جديد».

وبعد مرور شهر، صرح «بيريز سيرانت»: «إن الفكر السائد في كوبا شيوعي بكل وضوح».

واستمر الخطاب بنفس اللهجة، دون أن يطرأ أي عنصر جديد: فالحكومة تسرد المنجزات الاقتصادية والاجتماعية للثورة، تلك المنجزات التي لم تجرأ هيئة الأساقفة على نكرانها، لأنها تعمل على تحسين ظروف حياة الشعب الكوبي…

ومن جانب الكنيسة توجه بعض التحفظات، أو ينقد تدخل الحكومة في كل المشاريع، وتندد بالأخص بالشيوعية.

وطيلة التاريخ الكوبين لم يشاهد- في فترة قصيرة- مثل ذلك العدد من رسائل الكنيسة والتصريحات الأسقفية، فهل معنى ذلك أن الكنيسة أصبحت لأول مرة حرة في التعبير عن أفكارها؟ مهما يكن فان هذا الطوفان من التصريحات والتحذيرات يفاجئنا خاصة بعد الصمت التام الذي ظل مخيما على جنباتها في عهد ديكتاتورية «باتيستا».

وفي الوقت الذي كان الضغط البوليسي الخانق ممسكا بزمام البلاد، صدرت رسالة كنيسة واحدة يوم2 كمارس 1958، يطلب فيها الأساقفة تكوين حكومة وطنية ائتلافية. غير أن هذه الرسالة تعوزها الدقة، إذ أن الأساقفة لم يكلفوا أنفسهم عناء تحديد صيغة سياسية، ولا حاجة بنا إلى تبيان لا واقعية مطلب الرسالة، فتأسيس حكومة تضم جلادي باتيستا وفدائي كاسترو، ويعد محض خيال. لقد سنحت عدة فرص- سواء في مجال المذهب أو الأخلاق- لكي تسمع الكنيسة صوتها، ولكنها لم تغتنم تلك الفرص وان افتراضنا إن كاستو فرض نظاما ديكتاتوريا على كوبا، فانه يتحتم- ساعتئذ- الإقناع حسب منطق الأساقفة- بأن ديكتاتورية يسارية هي أخطر بكثير من ديكتاتورية يمنية.

على أن أنصار كاسترو أساءوا التصرف بعد ذلك التحطيم الفريد للقيود في تاريخ كوبان فقد اعتبروا الكنيسة أما مشايعة لفرانكو، وأما صنيعة للامبرياليين وكانت بعض الاستفزازات من جانب الكنيسة، مثل إقامة صلاة على شرف فرانكون وإدلاء الكاردينال «كيشنك» بتصريحات متهورة، حججا متمكنا من أنصار كاسترو للتمسك باتهاماتهم للكنيسة. يضاف إلى ذلك أن نسبة 50% من الاكليركية الكوبية هي من أصل اسباني، وتستمد سلطتها من أساقفة يقيمون باسبانيا…

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٣٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٣٧٦