للأخلاق المدنية، كما أن الانقلاب الذي قام به «باتيستا» سنة 1952 قبيل إجراء الانتخابات المذكورة، لم يثر أي اعتراض من طرف هيئة الأساقفة ...
وخلال سنة 1959 كان واضحا أن الحكومة تتحاشى حدوث أية صعوبة بينها وبين الكنيسة .. ففديل كاستور كان تلميذا سابقا عند الجزويت، وحصل بفضل تدخل رئيس أساقفة سانتياكو على العفو بعد الهجوم الذي قام به في 1953 ضد ثكنة مونكاد. وإذا كان كاسترو لا يمارس الشعائر، فانه متأثر بسمات الروح المسيحية التي تجعله يدين- في نفس الوقت- كلا من الرأسمالية والشيوعية. يضاف إلى ذلك انه كان مقتنعا بان الكاثوليكيين- على قلتهم- سيسارعون إلى مساعدته مثلما سبق لعدد غير قليل من المناضلين الكاثوليكيين أن الحقوا به في الاحراش وخاضوا معه مع معركة التحرير ...
أما من جانب الكنيسة، فانه بالرغم من جنوحها إلى التصالح، إلا انه يلاحظ في شهر مارس صدور بلاغ يعبر عن القلق إزاء بعض «الالتباسات» الموجودة في مشروع قانون مدرسي كان ساعتئذ تحت الدرس، وعند ما صدر هذا القانون نص على حذف حصص التعليم الديني من المدارس العامة طبقا لمبدأ فصل الكنيسة عن الدولة. وبعد ذلك أعلنت هيئة الأساقفة انه لا يوجد سبب لنزع الثقة من فيديل كاسترو، وقد اضطلع مرشدون من الكنيسة بإعطاء دروس دينية في المدارس العامة، إلا أن الثورة أكثرت من فتح المدارس بالبادية فلم يعد بمكنة الكنيسة أن توفر العدد الكافي من الرهبان للتدريس في كل هذه المدارس وهكذا فان الخلاف- في هذا المجال- تقلصت مسبباته ...
* * *
ثم جاء الإصلاح الزراعي ..
ولكي لا يفسح المجال لبعض المواقف المتناقضة فقد أيد «ايفليودياز» باسم جميع الأساقفة المبادئ «المطابقة لروح وأهداف العدالة الاجتماعية المسيحية» وبنص نفس النداء على دعوة المسيحيين إلى ضمان تطبيق تلك المبادئ ...
ومر الصيف دون زوابع .. ولطكن في شهر نوفمبر انعقد مؤتمر حضره ما يقرب من مليون كاثوليكي، وكانت الموضوعات التي تناولها الخطباء بعيدة عن السياسة، وعلى عكس ما كان ينادي به من فوق المنابر الثورية، فان الحاضرين في هذا المؤتمر كانوا يهتفون «الإحسان، الإحسان»، ولم يسبق أن اجتمع عدد من المسيحيين بتلك الكثرة. والواقع أن المشاركين لم يكونوا كلهم كثولكيين، إلا انه في الوقت الذي تلاشت فيه كل الأحزاب السياسية التقليدية، كانت هناك جماعات هامة تثبت أن كاسترو ليس وحده قادرا على جمع جمهور غفير. لقد كان إنذارا، ولكنه لم يثر أي رد فعل رسمي ...
وللمرة الثالثة فان صعوبة أخرى جاءت من الولايات المتحدة بعد أن هاجر رهيبان كوبيان إلى «ميامي» وجعلا ينظمان حملة واسعة للتنقيص من شأن الثورة، مؤكدين بان كاسترو يعمل على إيجاد «كنيسة قومية» ستكون بمنجى من سلطة روما، وخاضعة لتأثير الكنيسة الاسبانية. وفي يناير 1960 اصدر «ايفيلو دياز» رئيس أساقفة سانتياكو تذكيبا لهذه المزاعم، وأكد بان جميع الأساقفة يمارسون نشاطهم في حرية ويسر، وواضح أن هيئة الأساقفة كانت تقصد إلى تسوية المشاكل تجنبا لكل تصادم ..
وفي شهر مايو 1960 أتلجأ زعيم حركة ديمقراطية إلى الولايات المتحدة وراح يؤكد بان كوابا سائرة في طريق الشيوعية، وفي 16 مايو صرح «بيريز سرانت» بقوله:
«ليس بوسعنا أن نقول أن الشيوعية توجد على أبوابنا، لأنها- في الحقيقة مستقرة بين جدراننا، رافعة صوتها كأنها توجد في موطنها .. »
وقد كان هذا التصريح بمثابة الإشارة الواضحة إلى الاحتجاجات الكاثوليكية المرتكزة على فكرة «معاداة الشيوعية».
وخلال شهر يوليو بدأت الاصطدامات في أبواب الكنائس بين الثوار الذين يهتفون «نعم لكوبا، ولا، لأمريكا»، وبين الكاثوليكيين الذين يصبحون «نعم لكوبا، ولا، لروسيا»! وفي هافانا أقيمت صلاة خاصة لإحياء ذكرى انتصار فرانكو على القوات الجمهورية الاسبانية .. ومنذ تلك الإشارة أصبحت النزاعات