قول أبي حنيفة وأصحابه. قال: وقد رأيت أقواما نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم عليه السلام بتصويب مذهبهم من غير حجة إلا الدعاوي والأماني، ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة ولا اثر عن صاحب ولا تابع، ولا موصولا ولا شاذا مشهوران وقد وجدنا أن فقيه العراق- يعني أبا حنيفة- ومن قال يقوله، قالوا: إن جنة آدم ليست جنة الخلد، وهذه الدواوين مشحونة من علومهم ليس عند احد من الشاذين، بل بين رؤساء المخالفين، وإنما قلت هذا ليعلم أني لا انصر مذهب أبي حنيفةـ، وإنما انصر ما قام لي عليه الدليل من القرآن والسنة. هذا ابن زيد المالكي يقول في تفسيره: سالت ابن نافع عن الجنة: أمخلوقة هي؟ فقال: السكوت عن الكلام في هذا أفضل. هذا ابن عيينة يقول في قوله عز وجل: (أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) قال يعني في الأرض، وابن نافع أمام، وابن عيينة أمام، وهم لا يأتوننا بمثلهما ولا من يضاد قوله قولهما، وهذا ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف بعد ذكره خلق الله لآدام وزوجه، قال: ثم تركهما، وقال: أثمروا وأكثروا وملئوا الأرض وتسلطوا على ألوان السحور وطير السماء والأنعام وعشب الأرض وشجرها وثمرها، فاخبر إن في الأرض خلقه وفيها أمره، ثم قال: ونصب الفردوس فانقسم على أربعة انهار: سيحون وجيحون ودجلة والفرات* إلى آخره، نقل هذا من كتاب حادي الأرواح لابن القيم هكذا.
أقول: وهذا الإمام أبو منصور الماتريدي- وهو من أئمة علماء الكلام وقرين الإمام الأشعري في علم التوحيد- قد تبع الإمام أبا حنيفة فيما قال به، واستمع إليه وهو يقول في تفسيره المسمى بالتاولات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها مناهل السنة وغيرهم. اه كلام أبي منصور الماتريدي.
وقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الاصبهاني: كانت- أي جنة آدم- في الأرض، قيل بأرض عدن، والهبوط الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى (اهبطوا مصرا):
1) لأنها لو كانت دار الخلد لما لحق آدم الغرور من إبليس بقوله (هل أدلك على شجرة الخلد).
2) ولان من دخل الجنة لا يخرج منها لوله تعالى (وما هم منها بمخرجين).
3) ولان إبليس فلا يصل إلى جنة الخلد*
4) ولان دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى (أكلها دائم)
5) ولأنه لا يجوز في حكمته- تعالى- أن يبتدئ الخلق في جنة بخلدهم.
6) ولأنه لا زاع في انه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في هذه القصة في جميع ما حكاه الله عن آدم انه نقله إلى السماء، ولو كان نقله إلى السماء لكان أولى بالذكر لأنه من أعظم النعم واكبر الحوادث في تراخي آدم عليه السلام- آه من تفسير البحر المحيط لأبي حيان بتصرف.
* سيحون وجيجون ودجلة والفرات (كذا) اقول: لعل الخطأ مطبعي أو من الناسخ في الأصل إذ الصواب: سيحان وجيحان والفرات والنيل. لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من انهار الجنة. اخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها. قال النووي: اعلم ان سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان من انهار الجنة في بلاد الأرمن فجيحان نهر المصيصة، وسيحان نهر اذنة وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان فهذا هو الصواب في موضعهما الخ ... النووي).
وجاء في «لسان العرب»: سيحان وجيحان وهما نهران بالعواصم عند ارض المصيصة وطرسوس، وفيه أيضا: سيحان المذكور في الحديث نهر بالشام، وجيحون بالهند. وفي معجم البلدان طرسوس: مدينة بثغور الشام من أنطاكية وحلب بلاد الروم قريبة من المصيصة المذكورة منبلاد الارمن.
* أقول: وقد سبق لإبليس أن هبط منها بعد امتناعه من السجود لآدم وقد خرج منها مذءوما مدحورا كما جاء في سورة الأعراف وغيرها، فكيف يجوز له أن يعود إليها مرة أخرى؟